هل بدأ العد التنازلي للدكتاتورية الثيوقراطية في إيران؟ كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نعم, فالكثير من الدلائل تشير إلى أن الدكتاتورية الثيوقراطية في إيران بدأت تفقد المزيد من قاعدتها السياسية التي استندت إليها حين سرقت الثورة الشعبية الإيرانية قبل ثلاثين عاماً واحتكرت الحكم لنفسها وزجت بالكثير جداً من القوى الديمقراطية في السجون أو أرسلتهم إلى مقابر جماعية ستكتشف حين يسقط هذا النظام الدموي, أو اضطروا إلى الهجرة قسراً هرباً من ظلم النظام.

خلال أكثر من ثلاثة عقود والنظام الدكتاتوري في إيران يسلط أبشع استبداد إسلامي سياسي طائفي مقيت على الشعب الإيراني بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه الدينية وأحزابه العلمانية السرية أو القوى الإسلامية المعتدلة والمعارضة لسيطرة هذه الجماعة المحافظة والرجعية على الحكم في إيران والتي تعيش عزلة شديدة بسبب سياساتها الداعية إلى تصدير "الثورة الإسلامية الإيرانية" إلى الدول الأخرى. وكان خاتمة تلك السياسات تزوير الحكم لانتخابات الرئاسة الإيرانية وفوز مرشح المرجعية الدينية بها زوراً وتأييد ولاية الفقيه, التي أسست للدكتاتورية في إيران, لنتائج تلك الانتخابات وفرضت هذا الدكتاتور القزم فرضاً على الشعوب الإيرانية.

إن الرد الواقعي والصارم على  هذا التزوير وتلك السياسات جاء من القوى المعارضة لسياسات الحكم الإيراني حيث انطلقت المظاهرات الشعبية معلنة عن عدم قبولها بنتائج تلك الانتخابات واستمرار المظاهرات التي جوبهت بالحديد والنار وسقط الكثير من الضحايا وكان أخرها وليس نهايتها ما حصل في يوم الأحد الدامي (27/12/2009) في طهران حيث سقط ثمانية أو تسعة من المتظاهرين شهداء في الشوارع الإيرانية على أيدي "الحرس الثوري" القومي الشوفيني وقوى الإرهاب الحكومية. إن الشعوب الإيرانية وقواها السياسية المعارضة, وكما يبدو من تطور الأحداث, ترفض الرضوخ لسياسات الحكم وقررت خوض النضال إلى حين الخلاص من هذا الحكم الثيوقراطي الذي لا يتعارض مع إرادة ومصالح الشعوب الإيرانية فحسب, بل ومع مسيرة التاريخ والعصر الذي نعيش فيه. فالدلائل الكثيرة تشير إلى أن العد التنازلي لوجود هذا النظام قد بدأ فعلاً وأن الزمن مهما طال سينتهي لصالح الشعوب الإيرانية وفرض إرادتها الحرة والمستقلة.

إن الحكم في إيران يحاول أن يثير الصراعات والنزاعات على الصعيدين الإقليمي والدولي ليبعد أنظار الشعوب الإيرانية عن المآسي التي تعيش فيها يومياً وعن التدهور المتواصل في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان الفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل الذين تضخم عددهم كثيراً. فمحاولة إشغال الشعوب الإيرانية بالصراع مع العالم حول القضية النووية بذريعة الدفاع عن حق إيران في امتلاك الطاقة النووية من جهة, ومواصلة تأجيج الصراعات في كل من اليمن ولبنان وفلسطين والعراق وغيرها بذريعة الدفاع عن الإسلام الشيعي أو الإسلام عموماً في تلك البلدان من جهة ثانية, وأخيراً احتلال حقول النفط في فكة التابعة لمدينة العمارة بذريعة الدفاع عن مصالح إيران الاقتصادية وهي المعتدية منذ فترة طويلة على هذه الأرض الطيبة, لم يعد ينفع الحكام ولن يبعد أنظار الشعوب الإيرانية عن واقعها المرّ المتفاقم.

لقد كتبنا الكثير بهدف الكشف عن الوجه الحقيقي للحكم الإيراني أمام أنظار الشعب العراقي, وخاصة سكان الوسط والجنوب, ومهما كان مقنعاً, فأن احتلال إيران لفكة وأسلوب تعامل القوى الإسلامية السياسية الشيعية العراقية مع هذا الحدث, كان الدليل الجديد الأكثر إقناعاً للكثير من سكان العراق على الأهداف والأطماع الإيرانية في العراق. ولم نكن في ما قلناه عن الحكم في إيران خاطئاً, بل عين الحقيقة والواقع.    

إن إيران بسياساتها الطائفية تثير المزيد من الطائفيين السياسيين من مذاهب أخرى وتؤجج الصراع بدلاً من إيجاد أرضية للتفاهم بين أتباع المذاهب الإسلامية, كما هو حال بقية المتطرفين, ومنهم قوى القاعدة الإرهابية, من أتباع المذاهب الأخرى.

تعيش إيران عزلة دولية متفاقمة ويتهددها الحصار الاقتصادي, الذي سوف يرهق الشعوب الإيرانية وليس حكامها المتخمين بأموال الشعوب الإيرانية والفاسدين الذين يتصرفون بخزينة الدولة دون حسيب أو رقيب. وأن هذه العزلة ستثير المزيد من البشر في إيران ضد النظام الثيوقراطي المتخلف. وسيقنع ما يجري في إيران المزيد من بنات وأبناء الشعب العراقي بان قوى الإسلام السياسية في العراق هي الأخرى لن تستطيع أن تقيم نظاماً سياسياً ثيوقراطياً أفضل مما هو قائم في إيران, وأن الحياة والعصر الجديد لم تعد تقبل مثل هذه النظم في أي دولة من دول العالم.

على حكام إيران أن يدركوا بأن ليل الدكتاتورية مهما طال, ومهما كانت طبيعتها, ومنها الدكتاتورية الثيوقراطية, سينقشع عن صبح بهي وعن حياة حرة وديمقراطية على أيدي الشعوب الإيرانية ذاتها كما انتهت إليه الكثير من النظم الاستبدادية في العالم. وها هي الشعوب الإيرانية تمارس إرادتها كما عبر عن ذلك الشاعر التونسي الشاب الفقيد أبو القاسم الشابي:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة     فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بـد لليـل أن ينجـلي     ولا بد للقيـد أن ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة    تبخـر في جوها واندثر       

  

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة