طفولة محرومة من السعادة ... تعمل لتعيش في زمن القهر والعوز ! شه مال عادل سليم

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image الطفلة دموع ـ بعدسة شه مال عادل سليم ـ اربيل

أطفال الشوارع  (1) ...

اطفال بعمر الزهور , يرتدون  ملابس مهترئه و رثّة , اجسادهم نحيفة و وجوههم  شاحبة وعيونهم مليئة بالألام والحسرات , انهم ينتشرون في شوارع وطرقات مدن العراق  لبيع العلكة او المحارم او السكاير ـ الدخان ـ او  مواد بسيطة وصغيرة بحجم اياديهم الناعمة والمتشققة من جور وقسوة الحياة او من تنظيف زجاج سيارات او مسح احذية على الارصفة ....وغيرها من الاعمال التي تشكل لهم مصدراً للدخل بعد صراع مرير ويومي على ارصفة الطرق وفي الشوارع او عند الاشارات المرورية لتكون الحصيلة اخر النهار بضعة الاف من الدنانير ....لا تسدّ الاّ جزءاً  بسيطاً من احتياجات ومتطلبات عوائلهم   الكثيرة ... في دولة نفطية غنية كبلدهم ـ العراق ـ  ....

ان القسم  الاكبر من هؤلاء الاطفال  منقطعون عن الدراسة , بالاضافة الى الناحية الاخطر، وهي انحرافهم عن حياة اسرية سليمة بالمعنى العلمي والاجتماعي والصحي لمفهوم الاسرة ( 2 )...

الطفلة منى  12 سنة تقول ، بانها تبيع العلكة من اجل مساعدة والدها العاطل عن العمل في تلبية متطلبات المنزل واحتياجاته " بعد ان اجبرت عائلتنا على ترك مدينتنا  الموصل " والتي تبعد عن اربيل 85 كم , بعد تردي الاوضاع الامنية فيها  ..    

اما الطفل سركار 14 عاما قال ، بانه يعمل مع اخيه الاكبر الذي يعمل في صبغ الاحذية , واكد على ان اخاه اجبره على العمل معه بعد رجوعه من المدرسة ليكتسب الصنعة ويتعلم كيف يعتمد على ذاته لسد احتياجاته واحتياجات المنزل .... ويضيف " بسبب عملي حرمت من ممارسة كرة القدم وفقدت اقرب اصداقي لاني اعمل بعد رجوعي من المدرسة " .

 

الطفلة دموع ....من المسؤول عن دموعها ؟!

اثناء وجودي في اقليم كوردستان في نهاية الشهر العاشر 2009  اجريت عدة لقاءات مع عدد من  الاطفال في الشوارع الرئيسية في مدينتي ـ اربيل ـ وهم منهمكين في الحصول على قوتهم بعد صراع طويل ويومي في شوارع المدينة لبيع العلكة وحاجات بسيطة اخرى  .... ,  تحاورت مع العديد منهم للاطلاع على حياتهم وحيوات عوائلهم الصعبة ومعاناتهم اليومية , وامنياتهم واحلامهم التي ضاعت بين عجلات السيارات وازدحام المارة وقسوة الكبار .......وهم يلهثون وراء رغيف الخبز ...

اوقفتني فتاة بعمر الزهور بصوتها الضعيف  ونظراتها الحادة وهي تقول بلغة كوردية "مكسرة " ((  ( خوا بتباريزي ماموستا , بنيشت  بكره  بو منداله كانت ) اي .. " الله يخليك استاذ اشتري مني علكة لاطفالك ...الله يخليك " )) ...

نظرت الى عينيها  المليئتين بالحزن والحسرات وقلت لها :

ـ تعالي يا صغيرتي ...ما اسمكِ ..؟

قالت : "دموع "!.......

 قلت لها : لماذا دموع ؟ ...

اجابت : "لااعرف .... والدتي التي توفت  قبل فترة سمتني بهذا الاسم "!!....

سالتها عن  محل اقامتها .. فاجابت بعفوية طفولية :

ـ " (ماموستا) ( 3 )  انا من مدينة الموصل هربنا الى اربيل خوفا من الانفجارات  ... اعيش مع اخي وزوجة والدي ووالدي في بيت صغير جدا " و كانت تشير بيدها الصغيرة الى احدى اتجاهات المدينة ....

قلت لها :

ـ وهل تذهبين الى المدرسة ..؟

نظرت الى وقالت وهي تدور بعينيها الصغيرتين يمينا ويسارأ و كانما كانت تريد ان تقول لي كفى الاسئلة بحق السماء ! .....  :

" لا ..... انا ابيع ـ علك ابو سهم "

قلت لها : كم عمركِ يا دموع ؟..

اجابت  " والله لا اعرف "...؟!

تمعنت في  عينيها المليئتين بالدموع والحسرات والعتاب والاسئلة  ...... وقلت لها مستغربا :

ـ الا تعرفين كم عمرك ؟

اجابتني وبضحكة طفولية بريئة :

"لا والله يا سيدي ......... اشتري مني علك ...الله يخلي اولادك ".....

نعم ايها السادة .... " دموع "  تبيع العلكة  على كل المفارق والتقاطعات و عند الاشارات الضوئية والتي تشكل خطرا حقيقيا على حياتها بالاضافة الى انها لاتعرف مخاطرها على مستقبلها والاكثر من هذا وذاك انها لاتعرف كم هو عمرها ؟!...ولماذا حرمت من حقوقها  ؟ ...ولماذا سمتها والدتها  " دموع " ؟ و لا تعرف من سرق منها طفولتها ؟ ولماذا ؟ والى متى تبقى دموع وكل دموع العراق  مشردات في وطنهم الذي يطفو على ابار من النفط ؟

" دموع " تبيع علكة ومعها جيش من اطفالنا المشردين ، ضائعين بين ارجل الكبار . فيوميا تذبل  طفولة الاف الزهور امثال  (دموع ,انتظار ,حنين , ئاسو , احمد , ريبوار و زينب) (4 ) امام الجميع وعلى كل المفارق والتقاطعات وعند الاشارات الضوئية الرئيسية ، في وقت يتحدث السياسيون عن الديمقراطية وحقوق الانسان وقانون الانتخابات وحرية الرأي في اروقة البرلمان والقصور الرئاسية الفخمة وفي مجالس المحافظات والكونفرنسات التي تصرف عليها الوف الدولارات دون اية نتيجة تذكر في عراق اليوم  ......!

اسأل كل من يهمه امر دموع وكل دموع العراق ........

كم هو عدد الدموع في العراق ؟ والى متى يبقون هكذا مشردين في وطنهم الذي لم يبقى لهم فيه الا الماسي والويلات والتشرد والضياع .... ؟

الى متى تبقى الوعود حبرا على الورق ؟ الى متى يبقى اطفالنا بلا مأوى وبلا رعاية  ؟ اين دور الشؤون الاجتماعية والجمعيات الخيرية ؟ اين خطط و برامج مكافحة التسول التي اعدت ووعدت بالتطبيق ؟ اين ورش مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية التي تعني بالطفولة والامومة ؟ وماذا عن شريحة النساء اللواتي تتزايد اعدادهن يوميا  وهن يجلسن على الارصفة وامام المساجد والمراقد وعلى ابواب الاسواق والمحلات التجارية و يطلبن من المارة المساعدة ؟ ما هو الدافع الرئيسي وراء انتشار و ازدياد ظاهرة الشحاذة  ـ بين النساء والاطفال تحديدا ـ في العراق بشكل عام ؟ الم يقل غاندي " إذا أردت أن تغير وجه العالم، فلتبدأ بالأطفال " ؟ هل نريد ان نغيير وجه العراق حقا ؟ اذا الجواب بنعم ولو اشك بذالك ، اذن لنبدأ بالاطفال ـ نعم اطفالنا ـ الذين يعانون من الظلم والتشرد و من قساوة الكبار ...نعم اطفالنا الذين حرموا من التعليم ....اطفالنا الذين يعيشون اليوم في مهاوي الجهل والظلمات والالام ..... اطفالنا الذين حرموا قسرا من طفولتهم السعيدة ....نعم اطفالنا الذين  يقضون اجمل ايام عمرهم على ارصفة الشوارع .. وعلى ابواب المساجد او عند الاشارات الضوئية يبيعون حاجات صغيرة لتلبية متطلبات واحتياجات عوائلهم ......

ان الحكومة العراقية و الكوردستانية معنيتان بالامر ...نعم انهما معنيتان بان تعرفا بماذا يحلم اطفال الشوارع ...والاكثر من هذا فان الحكومة العراقية لها القدرة على معالجة هذه الظاهرة ـ ظاهرة اطفال الشوارع ـ وظواهر سلبية اخرى على سبيل المثال ظاهرة الشحاذين والمتسولين وخاصة من شريحة الفتيات والنساء اللاتي يفترشن ارصفة الشوارع والطرقات العامة  في مدن العراق ....وهن يطلبن من المارة المساعدة المالية ....

ايها السادة .....يا من وعدتم وتوعدوننا  بالعيش الكريم .....

امنحوهم فرصة  .........   للحلم , للعيش , للتامل , للحياة الكريمة , للطفولة .......بعد ان خرجوا  من انفاق البعث الظلامي الى النور والشمس والحرية  ...... بعد عقود من الركوع وفقدان الكرامة والعوز والقهر البعثي البائد  ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ اطفال الشوارع , تطلق هذه التسمية على جميع الاطفال ومن كلا الجنسين الذين يقضون اغلب اوقاتهم في الشوارع يتسولون او يبيعون حاجيات صغيرة وبسيطة لإعالة عوائلهم التي تعاني من مشكلات اجتماعية واقتصادية وانسانية ... لقد تركوا مجبرين مدارسهم لإعالة عوائلهم .....  

2 ـ اغلب الاطفال التي التقيت بهم في الشوارع والطرقات اجبروا على ترك الدراسة من قبل عوائلهم  والاعتماد عليهم  لتولي بعض الأعباء الأسرية .....

3 ـ ماموستا ..وتعني بالكوردية  " الاستاذ "

4 ـ اسماء بعض الاطفال الذين التقيت بهم في شوارع اقليم كوردستان .

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة