فرماز غريبو:شخصيات إيزيدية(ميان خاتون)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

أميرة الإيزيديين في العراق والعالم على مدى أربعين عاما في سطور ؟

تحتل المرأة في المجتمع الإيزيدي مكانة مرموقة ومحترمة منذ أقدم الأزمنة وليس منذ البارحة أو قبل البارحة,وقد لعبت في الكثير من الأحيان الدور الريادي

والقيادي ,مثل قيادة المجتمع كما سنرى الان وكذلك شغل المناصب القيادية في المعارك مثل بنفش,كما أنها كانت سجلا للتاريخ عندما صارت مغنية وصارت تحرك ضمير المجتمع من خلال ما أنشدته ,لم يسبق الرجل المراة الإيزيدية في مختلف المجالات بل بالعكس فقد تفوقت المرأة في الكثير من المجالات لأن باب العمل والإجتهاد بهذا المجتمع كان مفتوحا امامها وطبعا الإسثناء لايعتبر قاعدة في كل المجتمعات ,وهكذا بالنسبة لنا ,ناضلت في سبيل البقاء دينيا وإجتماعيا ,وهذا لايعني قط بأنها أهملت الناحية القومية بل بالعكس شاركت في هذا المجال وبقوة ,وكانت حرة في ذلك حتى أنها صارت سيدة نفسها في تقرير مصيرها مثل الزواج والعمل ,ما نعرف لم يعرف المجتمع الإيزيدي الفرق والتمييز بين الرجل والمرأة, ولك يصبح للنساء مجالس خاصة بها وإنما كانت مشتركة مع الرجل في عقد المجالس بل وإتخاذ القرارات المهمة في الحرب والسلم وألتزمت في كل ذلك بحدود الأدب والأخلاق وصارت مثالا للمراة الحرة والمرأة القائدة والمناضلة في سبيل كل شئ ولأجل البقاء والإستمرار.

هنا وبهذه الأسطر القليلة اريد أن اتناول البحث في تاريخ إمرأة إيزيدية شغلت وقادت المجتمع الإيزيدي وغير الإيزيدي على مدى أربعين عاما ,كل تلك المدة كانت مليئة بالنضال والعمل الجاد لأجل الإيزيدياتي ,وعانت الكثير من العناء والتعب ولكنها رغم ذلك لم تستسلم بل تابعت النضال حتى آخر يوم من حياتها وبذلك إستحقت الإحترام واستحقت أن نكتب عنها ولكن للأسف كان ما كتب عنها قليلا وضحلا ,وها أنا الذي لاأعرف القراءة حسب قول بعض الناس ,اريد أن أؤدي بعض الأمانة التي بذمتي تجاه هذه الأميرة التي كانت في غاية الجمال في عملها ونضالها وصارت مثلا يحتذى بها في كل المجالات .

الأميرة ميان خاتون لم تدرس في اية جامعة ولم تتعلم في أي معهد كما أنها لم تكن خريجة كلية من الكليات ولا خريجة دراسات عليا ,لكن كان ما عملته اكبر بكثير,مما عمله أمثالها من النساء من الإيزيديات وبذلك أستطاعت أن تحتل أكثر المواقع والأماكن إحتراما عند الإيزيديين ,وجعلت لنفسها مركزا مرموقا في الوجدان الإيزيدي ,ومازال ذلك شاخصا حتى الان والدليل عى ذلك ما أكتبه الآن رغم أنني لم اجد تلك الأميرة بالعين ولكنني وجدتها بالعقل والتفكير .

كان ما كتب عنها الغير من غير الإيزيديين ,اكثر بكثير مما كتبه الإيزيديون وللأسف ,فهذه الأميرة ورغم كونها أحد اكبر واهم المراجع في المجتمع الإيزيدي,لم تحصل على حقها من الكتاب والمثقفين الإيزيديين ,فكان ذلك دينا وأهل هؤلاء أداء ذلك الدين ونرجو أن ننتبه جمعيا إلى هذه النقطة ونؤدي حق تلك الأميرة لها .

1-من هي الأميرة ميان خاتون؟

هي ميان بنت عبدي بك---------------جول بك زوجة الأمير علي بك ---------------جول بك أمير الإيزيديين في العراق والعالم لمدة طويلة من الزمن وكانت زوجة لإبن عمها حتى وفاته أو إستشهاده على يد أعداء الإيزيدياتي

ولدت الأميرة في سنة 1873م في باعدري او كما يقال باعدرا شيخا في كوردستان العراق قرب لالش النوراني وقرب مدينة دهوك وذلك في أسرة أصلية من الأسر الإيزيدية وببيت الإمارة وأمضت طفولتها في تلك العائلة إلى أن تزوجت من ابن عمها وبذلك انتقلت من غرفة إلى غرفة بنفس الأسرة والعائلة ,لذلك لم يكن ذلك جديدا عليها مما ساعدها على الإستمرار في حياتها العادية دون أي تغيير .

كانت رفيقة وصديقة ومستشارة وسندا قويا لزوجها وابن عمها في عمله طيلة فترة حياته,لذلك فإن الكثير من النجاح لذلك الأمير كان سببه تلك الأميرة والتي شاركت في حل الكثير من الأمور جنبا إلى جنب مع زوجها .أريد أن أذكر أو أعيد للذاكرة بأنه حدثت تحركات لأجل تعيين أمير جديد بدل الأمير علي بك الموجود في المنفى ,لكن الإيزيديين لم يقبلوا ذلك ,لأنه يوجد قرار روحاني نصه (لايجوز تغيير الأمير وبابا شيخ وهما أحياء ).

بعد وفاة زوجها صارت مستشارة لإبنها سعيد على بك ومن ثم وبعد وفاة ابنها صارت مستشارة لحفيدها الأمير تحسين سعيد علي بك أمير الإيزيديين في العراق والعالم في الوقت الراهن .

تعرض الأمير علي بك لضغوطات كبيرة من جانب العثمانيين وخاصة الفريق عمر وهبي وكان العثمانيون يريدون ككل وقت القضاء على الدين الإيزيدي وبمختلف الطرق وإدخالهم للدين الإسلامي لكن الإيزيديين رفضوا ذلك بإستمرار رغم الظلم الذي تعرضوا له بسبب ذلك وفي هذه المرة طلبوا من الإيزيديين خدمة الجيش العثماني ولكن أمير الإيزيديين رفض مرة أخرى ذلك ,وبتلك الحجة قامت السلطات العثمانية بنفي الأمير إلى سيواس وكانت الأميرة ميان خاتون رفيقته وشريكته في تحمل ذلك الظلم الغير مبرر وقضت معه 3 سنوات في المهجر ,بعد ذلك عادت مع زوجها إلى وطنها وشعبها معززة مكرمة ,ولكن المؤامرات على الأمير لم تنته ,لذلك دبرت السلطات العثمانية الأمر بقتل الأمير وكان ذلك بسنة 1913م ودخل الأمير صف شهداء الإيزيدياتي .

بذلك الوقت كان عمر ابن الأميرة ميان خاتون وابن ابن عمها الأمير علي بك 9 سنوات وحسب العادات والتقاليد الإيزيدية توجب تعيين أمير جديد بعد استشهاد الأمير علي بك ولكن ولده الأمير سعيد بك كان صغير العمر ,وحدث انشقاق في الصف الإيزيدي وتدخلت جهات متعددة في الأمر لكن الأميرة ميان خاتون بحنكتها وذكائها استطاعت أن تقنع الإيزيديين بجعل ابنها أميرا لهم خلفا لوالده الشهيد وبقيت هي الوصية والمستشارة له ,وبكلام آخر بقيت هي الأميرة وتدبر الأمور حتى كبر ابنها وأستمرت معه كمساعدة في إدارة أمور الإيزيدياتي إجتماعيا وسياسيا ودينيا .

بسنة 1944م توفي الأمير سعيد بك في مشفى الموصل وكان عمر ابنه سمو الأمير تحسين سعيد علي بك الأمير الحالي للإيزيديين 12 سنة ,حدثت تحركات من قبل الكثيرين ,للجلوس على كرسي الإمارة لكن ,الأميرة ميان خاتون كانت صاحبة الدور الأكبر والمؤثر على الإيزيديين, لذلك فقد استطاعت أن تقنع الإيزيديين من جديد, لأجل جعل تحسين بك أميرا للإيزيديين, وكانت تتمسك بفكرة كون أم تحسين بك الأميرة خوخة من بيت الإمارة, ونجحت مرة أخرى في مسعاها ,وتم نصب الأمير تحسين بك أميرا للإيزيديين وهو ابن 12 سنة, لكن كانت الأميرة الفولاذية إلى جانبه من جديد وتسنده في كل شئ .

بعد نضال وعمل شاق وطويل الأمد استمر 70 سنة وفي سنة 1956م انتقلت الأميرة ميان خاتون إلى جانب ربها لتترك الإمارة بيد الأمير تحسين بك وذلك عن عمر بلغ 83 سنة غني بالتعب والمشقة والعذاب وخدمة الإيزيدياتي عسى أن يتذكره الإيزيديون بالحسنى ودفنت في باعدري .

دور الأميرة ميان خاتون :

1-إجتماعيا:كانت تلعب دورا كبيرا في الوسط الإجتماعي فكانت تتعامل مع الوسط المحيط بكل ذكاء وما جاء مسؤول إلى المنطقة إلا وقابلته وناقشته ,وكانت في كل مرة تتدافع عن الإيزيدياتي وبشكل مباشر دون خوف ,كما كانت لها علاقات حسنة مع أتباع كل الأديان الموجودة في المنطقة من مسلمين ومسيحيين, لكنها لم تتنازل قط عن ايمانها الإيزيدي ,بل كانت تقف بصلابة في وجه كل من يريد الإساءة غلى الإيزيدياتي مجتمعا ودينا وقومية.

2-دينيا :لم تشك بيوم من الأيام بالإيزيدياتي ,بل كانت على إيمان فاضل ورغم تعرضها وكما ذكرت للنفي والظلم الشديد فإن ذلك شد من عزمها وإيمانها وكانت السيف الحاد بيد كل من زوجها وحفيدها وابن حفيدها وعلى مدى 40 سنة .

3- سياسيا :لعبت دورا كبيرا في هذا المجال وأقامت الكثير من العلاقات ومع جهات متعددة ومتنوعة بهدف خدمة الإيزيدياتي فقط فلم تطالب يوما بكرسي أو منصب لنفسها ولا بمكانة مميزة لها ,لكنها كانت تطالب دائما بحق الإيزيديين,وراسلت الكثيرين من المسؤولين العراقيين من السلطة ومن خارج السلطة ,كما كانت على علاقات طيبة مع الثورة الكوردية وخاصة مع زعيمها الراحل الملا مصطفى البرزاني الذي كان بدوره يكن لها كل التقدير والإحترام ’كانت تتمسك بقوميتها ولم يذكر التاريخ يوما بأنها قالت بأنها غير كوردية ,كما لم اسمع يوما ذلك من أحد رغم أنني سألت الكثيرين عن ذلك ,بل بالعكس كانت تتمسك بقوميتها إيمانا منها بذلك .

نتيجة لكل ذلك فقد دخلت قلب كل الإيزيديين بسسب ذكائها ودورها في خدمة الإيزيديين ,وسيطرت على ذاكرتهم وصارت قدوة لكل المخلصين منهم ,كما صارت مقصدا لكل الساسة والقادة الإجتماعيين والدينيين من غير الإيزيديين .

4-علميا:كانت بحرا من الذكاء ومحبة للعلم والمعرفة وبسبب ذلك فقد حاولت فتح مدرسة في موطنها ,إيمانا منها بأن سبب التقدم في كل المجتمعات هو العلم والتعليم.

من صفاتها:1-لم تكن تفرق بين الإيزيديين من كانوا ومن أين كانوا .

2-كانت تحب العلم والمعرفة وخاصة ما يتعلق بالدين الإيزيدي ,لذلك فإنها كانت تشرف بنفسها على تعلم أصول الدين الإيزيدي وخاصة تعلم أقوال شيخادي المقدسة وحضور مجالس ذلك العلم والتعلم وذلك مع القوالين والذين كانوا يتعلمون تلك الأقوال .

3-كانت تتفقد الوضع المعيشي للإيزيديين بإستمرار وفي كل مكان داخل مجلسها وخارجه.

4-كانت تحب المجالس الجماهيرية وكانت تلم الإيزيديين الذين كانوا يحبونها لعلمها وذكائها وسهرها على المجتمع الإيزيدي ودينه ومصالحهم ,ولكثرة الحضور لم تكن تعرف من غاب عن مجلسها ,فمثلا كان هناك أحد المشهورين الإيزيديين والذين كانوا يحضرون مجلسها بإستمرار ,استمر وقت طويل يقال بأنه كان 40 يوما ولم يأت للمجلس وعندما حضر سألته الأميرة :أين كنت يابني فرد عليه ذلك الشخص :ياأميرة مضى على غيابي 40 يوما وكنت زعلانا ,فحزنت الأميرة وانزعجت وقالت والله لو كنت أعرف ذلك لأتيت بنفسي لأجل تطييب خاطرك ,لكنني لم أكن أعرف ذلك يابني .

5-لم تكن تحب أن تأكل لوحدها وإنما كانت تحب الأكل مع جموع من الإيزيديين لذلك ففي صوم يوم خزينة الرحمن كانت تطلب من الإيزيديين الحضور لعندما وتناول السحور معا وكذلك الإفطار معا وكانت تذبح ثورا بيوم العيد وتوزعه على الناس .

فرجاؤنا من الله أن لايحرمنا من ميان خاتون كما نرجو أن ينتهي زمن غيابها عنّا و أن يهدينا الله بأميرة مثل الأميرة خاتون لها خصالها وصافتها ورزانتها وزكاؤها ومعرفتها وعلمها ودورها في المجتمع ككل ولتحيي زمن المرأة الإيزيدية ,المرأة الرجل, لما لنا بها حاجة في الوقت الحاضر.

أخيرا أرجو أن أكون قدقدمت شيئا من الأمانة والدّين الذي كان عليّ للأميرة ميان خاتون.



فرماز غريبو
23-12-2009م

 

 

 

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة