الآلام العراقية كثيرة وأشدها وجعاً اضطهاد الأيتام في ملاجئ حمايتهم! كاظم حبيب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الكثير والكثير جداً من القيم والمعايير الإنسانية التي سادت في العراق في فترات مختلفة من حياة الشعب العراقي,

 

 رغم الكثير من الجوانب السلبية في النظم السياسية التي سادت في العراق الحديث, اختفت من التعامل اليومي منذ أن استولى "حزب البعث العربي الاشتراكي" على السلطة ثانية في البلاد, حيث انتشرت الكثير من القيم والمفاهيم والمعايير السيئة والمشوهة والخبيثة في حياة الدولة والمجتمع. وتعمقت هذه الحالة بعد سقوط النظام الدكتاتوري حيث فرض الاحتلال وحصل الانفلات الأمني والسقوط الأخلاقي بنسبة غير قليلة من الناس وسيادة الطائفية السياسية, التي حلت محل الدكتاتورية المغتصبة لحرية الإنسان وحقوقه الأساسية وأرادته الحرة. فلم تعد حياة العنف والقسوة تتجليان في عمليات القتل والتدمير اليومية المريعة التي تمارسها عصابات الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة, ولا في عمليات الاختطاف والابتزاز أو التعذيب النفسي والجسدي للمعتقلين والسجناء من جانب ذات القوى, ولا في عمليات النهب والسلب والسطو على أموال الشعب فحسب, بل وفي صيغ التعامل اللاإنساني مع الأطفال الأيتام المعوقين الذين أدخلوا إلى تلك الملاجئ التي شيدت وأقيمت لغرض حمايتهم من حياة التيتم ومنحهم بعض الحب والحنان تعويضاً لهم عن فقدانهم للأبوين ولأي سبب كان ومساعدتهم بسبب العوق الذي يعانون منه.

فالصور الجديدة التي وصلت لي ولغيري من بغداد تكشف عن بشاعة التعامل اليومي مع هؤلاء الأطفال الأيتام المعوقين والتي تشكل الفضيحة الثانية بعد الفضيحة الأولى التي اكتشفت من قبل القوات الأمريكية أيضاً وفي قلب العاصمة بغداد في مراكز حماية الأطفال المعوقين عقليا في فترة حكم إبراهيم الجعفري أو المالكي أيضاً. ولا يعرف الإنسان عدد الملاجئ الأخرى التي فيها من الفضائح ما يزكم الأنوف ويهين كرامة البشر. إنها صور تكشف عن القسوة والجشع والبؤس الفكري وانعدام الضمير لا بالنسبة للعاملين في هذه الملاجئ الذين يسرقون اللقمة من أفواه الأيتام والملابس من أجساد البؤساء المعوقين فحسب, بل وعن قسوة وعنف الحكومة التي لا تراقب حياة هؤلاء الأيتام وتسكت عن هذا الوضع, وكذلك المجتمع الذي يقبل بوجود مثل هذه الحالات ولا يحتج عليها ولا يتظاهر ضدها, رغم بروزها قبل ذاك ولم يطالب حتى الآن بالكشف عن حقائق ما يجري في هذه الملاجئ وغيرها .

كتب الشاعر الرقيق والمبدع الرائع يحيى السماوي يقول بأن "محطة "سي بي أس" التلفزيونية عرضت فضيحة جديدة في العراق, طالت الأطفال هذه المرة, كاشفة عن ملجأ يضم 20 يتيماً عراقياً، يحتضرون وأيديهم مكبلة إلى الأسرّة، وعظامهم البارزة ينهشها الذباب". أطفال معوقون مقيدون, جياع حولهم الجوع والمرض إلى هياكل عظمية, مرميون على بلاط الغرف الباردة في فصل الشتاء, أجسام رقيقة ولكنها قذرة يحيط بها البول والغائط, تنهش بها جموع الذباب.

إن هذا الإداري الذي يسرق القليل من أفواه هؤلاء الأيتام الجياع والمرضى والمعوقين, يطعم بما يسرقه أطفاله. وهو لا يحس بحقيقة ما يقوم به, إذ أنه يعتقد جازماً بأن في الحكومة التي تدير أموره وفي المؤسسات الأخرى المسؤولة عن أموال الشعب من يسرق من أفواه الشعب قوتهم. وإذا كان يسرق القليل, فأن هناك من يسرق الكثير والكثير جداً. وهو يردد مع نفسه:

إذا كان رب البيت في الدف ناقر               فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

والمقصود برب البيت هنا ليس فرداً بذاته, بل هو الرمز الذي يشير إلى الجهات والمؤسسات العليا في الحكومة والدولة, ولا شك في أن فيها من هو نزيه وأمين على أموال الشعب وفيها من هو نهاب خسيس!  

وتقول القوات الأمريكية التي اكتشفت هذا الملجأ صدفة, بأن الحكومة  تعهدت لها بالتحقيق, وكان عليها أن تتعهد للشعب والدستور أولاً وأخيراً. حتى الآن لم تكشف الحكومة عن نتائج التحقيق الذي تعهدت به حكومة الجعفري في الفضيحة الأولى, ولا عن وجود الكثير من أمثال هذا الملجأ وفيه من الفضائح ما يثير الرعب والألم.

إن حياة الأطفال في العراق عموماً أليمة, وحياة الأيتام منهم أكثر ألماً ولكن حياة المعوقين من الأيتام أكثر وجعاً على عقول وقلوب الناس الذين يملكون ضميراً حياً وحساً إنسانياً بالمساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان, وحقوق الطفل على نحو خاص.

إن غالبية حكامنا نسوا أنهم كانوا يوماً في المعارضة وعملوا ضد النظام الدكتاتوري وعواقب حكم الدكتاتورية, وهم في الحكم لا يعملون ضد تلك العواقب, بل سمحوا لها بأن تتراكم. ونسوا أن هناك الكثير من الجياع والأيتام بسبب الحروب والفاشية والقبور الجماعية. وهنا يمكن أن استعين بشاعر العراق والعرب الكبير محمد مهدي الجواهري في هذا المقام وأردد معه بعض أبيات شعره:

نامي جياع الشعب نامي                حرستك آلهة الطعام

نامي فأن لم تشبعي                    من يقظة فمن المنام

نامي على زبد الوعود                 يداف في عسل الكلام

نامي تزرك عرائس                    الأحلام في جنح الظلام

               نامي فقد أضفى (العراءُ)               عليك أثـواب الغـرام

وليس هناك في العراق من هم أكثر جوعاً وعجزاً من الأطفال الأيتام المقعدين الذين ينتظرون من الدولة أو الحكومة ومؤسساتها الرعاية والحنان وليس الإهمال والاضطهاد, كما يجري اليوم في الملاجئ "الخيرية" التي, كما يبدو, تحول الكثير منها إلى مواقع لاضطهاد وتعذيب الأطفال وزيادة وجعهم المبرح.

23/12/2009                                             كاظم حبيب

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة