الطريقة النقشبندية بين الظاهر والباطن أو الممنوع والممتنع ... الدكتور سامان سوراني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

إذا إنطلقنا من فهم للحقيقة مبنية علی التطابق بين الفكر والواقع ، بين العقل والمعقول ، بين الكلمات والأشياء فسوف نقع في أفخاخ اللغة ، لأن الحق يمتلك فوق الدلالة المنطقية الإبستمولوجية (المعرفية) دلالة أنطولوجية (وجودية) و دلالة حقوقية أيضاً ، لأنه هو الوجود الذاتي واليقين العقلي والحكم العادل. المعنی الانطولوجي يجرنا للقول بأن الحق يُشهد و لا يُعلم ، ينكشف ولا يُثؔبت، يتأول ولا يُبرهن، أي أنه يعرف بالكشف والمشاهدة ، لا بالبحث والنظر.

الباحث في التصوف يدهش كثيراً عندما يری النهج الذي يسلكه المتصوفون للوصول الی الحقيقة العليا دون أن يعرفوا ماهو التصوف ومتی نشأت هذه العبادة. فالتصوف يشبه الی حد كبير الصورة الروحانية التي إنفردت بها الروحانية الهندية. وهي مرتبطة أحكم ارتباط بمذهب "الفيدا" ، كتاب الهند المقدس ، و بمذاهب الهنود المختلفة في تلك العصور. للأسف هنا لا مجال للبحث العميق في الأصول الغربية والشرقية للتصوف وكيفية إنتقاله الی المجتمع الإسلامي وأسباب تطرفه. مايهمنا ذكره هنا هو مجاهدة الإنسان الهوی و الإشتغال علی الذات لتغير نمط الحياة وإستثمار الطاقات الإبداعية للتحول من كون الإنسان مجرد ذات أو موضوع نفساني الی كونه ذاتاً راغبة تفحص عن الحقيقة والإنتقال الی الصعيد الحقاني والتحول من لذة الجنس الی لذة الفكر والنص ومن متع الايروس الی متع اللوغوس للتخفيف من المركزية و النرجسية والإدعاءات المثالية والمتعالية بنزع عباءة القداسة والعصمة والألوهة والكف عن ممارسة الوحدانية والوصاية وإحتكار المعنی.

نحن نعرف بأن المجتمعات المعاصرة لاتعاني اليوم من نقص في القيم المتعالية والمبادیء الروحانية ولا تعاني من غياب الله وبقية المقدسات الأخری كالتراث والوطن والهوية، التي تكاد تحول الحياة في أكثر من مكان الی أفخاخ و كمائن إن لم نقل الی مصائب و كوارث. والعملات العقائدية التي هي مصدر مصائبنا وكوارثنا تباع و تشتری وتتاجر في أسواق البورصة والهرج ، فما علینا إلا أن نفكر بطريقة مغايرة لمعالجة أزماتنا.

فما نظنه هو الحل نراه هو العلة والمشكلة. فنحن اليوم أحوج من أي زمن مضی الی عدة فكرية و روحية جديدة ، بمفاهيمها و طرقها و حقولها واستراتيجياتها. ومن غير إهتزاز في البنی الفوقية والمنظومات الرمزية والقواعد الخلقية لايمكن أن ننتظر أي تغير لأسباب الحياة وطرق المعاش وأنظمة التواصل المجتمعي.

تعرؔف النقشبندية من قبل مشايخها بأم الطرائق ومعدن الأسرار والحقائق ، تضع هذه الطريقة، التي هي من أكثر الطرق الصوفية إنتشاراً في الوقت الحاضر، أمام سالكیها أصول جامعة ، علیهم ممارستها للوصول الی درجات التوحيد بدعوات الی العبودية التامة ظاهراً و باطناً. من الأصول مثلاً إطلاع المُريد علی إستمرار الزمن وعلمه بالأحوال التي يمرؔ بها من حضور مستوجب للشُكر و غفلة مستوجبة للمعذرة. وشعور الذاكر عند ذكره بعدد الذكر و توجه قلبه الی المذكور و الإستمرار في المراقبة من دون الإلتفاف الی الغير وعدم النظر الی الآفاق أثناء السير وحفظ النفس عن الغفلة والتخلؔي عن الخلق للتوجؔه بسفر ظاهري وباطني الی الحق والإنعزال مع الذكر المستمر بالنفي الإثبات وملاحظته والرجوع الی المذكور حتی يتمكن القلب أن يحضر مع المذكور و مشاهدة الأنوار الأحدية. أما عن الطريق المراقبة فيستطيع قلب السالك أن يلازم معنی اسم الذات الالهية فبفضلها يتمكن من تنوير باطنه بنور الهداية. وبدون المراقبة، التي هي علی شکل درجات، لا يصح الكشف حسب رأیهم. فالنقشبندي، الذي ينقش الذات والصفات والأسماء والأفعال والأحكام ، يتوق الی معانقة الحق لأنه يری فیه الوسيلة الوحيدة لخلاصه من الواقع المرفوض وغاية الطريقة هي الوصول الی الفناء.

التفكير يبقی دوما إختراق للحدود وإجتراح للإمكان بالطرق علی أبواب الممنوع و إقتحام مناطق الممتنع. فالممنوع هو في نظرنا خارجي متمثل في القيود المفروضة من قبل جهات أو سلطات سواء كانت سياسية أم دينية ، مادية أو رمزية. أما فيما يخص الممتنع فهو علی شكل عوائق متمثلة بعادات الذهن وآليات التفكير وقوالب المعرفة. فالتحرر من سلطة الأفكار تتحقق بممارسة إختراق "الممتنع الذاتي" وهكذا يستطيع الفرد أن يمتلك حرية الفكر. والمقاومة التي تمارس ضد "الممنوع الخارجي" تولد الحرية التي تنجب التحرر من علاقات السيطرة. نحن نعرف بأنه لا يمكن أن تمارس شیئاً من غير نظرية ولا فاعلية من دون شكل من أشكال العقلنة للنشاطات والتصرفات، يتيح الحصر والضبط والتنظيم، نمذجةً أو قولبةً أو برمجة. لا يصح النظر الی الطريقة النقشبندية علی أنها نقيض للعقل، فهي محاولة للتعبير عن مأزق هذا العقل الذي لم يتح له إمكانية أن يتعقل مايحصل و يُحس و يرغب، فمجال العقل هو المجال المحسوس والعيني فقط ولا يمكن الخلاص من مأزق العقل حسب تعاليم الطريقة إلا بالفناء عن الذات أو الإنفلات من عالم الواقع. للإنسان إرادة كما للخالق إرادة والعقل علیه أن يبرر الرغبة البشرية مادام لايستطيع أن يقهر رغبة السلطان القادر.

وختاماُ نقول: لاتلغی الإرادة فهي بحسب تعاليم العالم والمحلل النفساني النمساوي سيغموند فرويد (١٨٥٦-١٩٣٩) تتسامی و ترغب في الخلود والأبدية والخروج من زمن الأشياء. وهذا هو معنی التوحد مع الحق والجمع به. وما العارف إلا ذلك الإنسان الذي ينطق عن سرؔك وأنت ساكت.

الدكتور سامان سوراني

 


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة