حقيقة ألإسلاميين وواقعهم المُخزي ـ القسم الخامس والأخير ... الدكتور صادق إطيمش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الأمر الآخر الذي تطرق له الأستاذ الكاتب طارق حجي يتعلق بالقناعة التي توفرت لديه مع الإسلاميين وموقف معظمهم من الفن خاصة فيما يتعلق بالرسم والنحت ، فقد كتب يقول :


"" معظم الإسلاميين يحرمون الرسم وخاصة رسم الشخوص. وحتى القلة التي لا تذهب لتحريم الرسم فإنها لا تهتم به . ولو كانت الأمور بيد هؤلاء لما كان للرسم وللرساميين ولمتاحف الرسم ولدروس الرسم في المدارس وجود أو لأصبح وجودهم هامشياً. وبديهي ان رسم المرأة عند معظم الاسلاميين مرفوض . وانهم لو كان الأمر بيدهم لحطموا كل تراث الانسانية من لوحات رسم فيها الفنانون نساءً . ""


ولتوضيح هذه الفكرة لابد لنا من توضيح بعض الأمور التي دعت إلى تحريم فقهاء الإسلاميين لهذه الفنون الجميلة التي تعكس تطوراً حضارياً رائعاً بالإضافة إلى انها تشكل مدخلاً مهماً لإستطلاع تاريخ الشعوب التي مارستها والحقب التاريخية التي مرت بها بحيث اصبحت تشكل مدارس لها مسمياتها الخاصة بها .

من المعلوم إنتماء الدين الإسلامي إلى ما يسمى بالأديان الإبراهيمية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام. وإن النصوص الدينية المقدسة الواردة في التوراة والإنجيل والقرآن تؤكد على وحدانية الله وترفض الشرك به بأي شكل من الأشكال . ويؤكد الدين الإسلامي على هذه الوحدانية بشكل خاص في كثير من المواقع في القرآن الكريم ، ومنها على سبيل المثال سورة ابراهيم . كما يدل منطوق الشهادة في الإسلام على ذلك بوضوح. ومن هذا المنطلق يذهب فقهاء الإسلاميين إلى ان الرسم والنحت والتصوير يعكس الشرك بالله ، إذ ان في مثل هذه الأعمال يقوم الإنسان بإعادة صنع ما خلقه الله من الأحياء ، وما تفسير ذلك في نظرهم إلا الشرك بعينه . ولكن كيف تكونت هذه الفكرة لدى الإسلاميين بالرغم من عدم وجود اي نص قرآني حول هذا الموضوع ؟

لو عدنا إلى المصدرين الأساسيين للفقه الإسلامي القرآن والسنة ، وأكدنا مرة اخرى على ان القرآن هو المصدر الرئيسي الأول وأن السنة شارحة له ، لوجدنا ما يلي :

النص القرآني هو نص لا جدال في صحته . إلا ان الجدال قد يقع في تفسير النص وتأويله او في ترجمته من العربية ، نصه الأصلي ، إلى لغات أخرى. والقرآن لا يتضمن اي نص ولا حتى اية إشارة إلى تحريم هذه الفنون .

اما السنة فإن الأمر يختلف معها من ناحية النص الذي يدور جدل كثير حول صحة بعضه او عدم صحته. وليس ادل على ذلك مما جمعه البخاري من احاديث والتي بلغت 600 الف حديث لم يخرج منها سوى بضعة آلاف تاركاً البقية الباقية على انها احاديث إما غير صحيحة او غير متواترة وبالتالي ضعيفة لا يعول عليها . هذا بالإضافة إلى وجود نصوص من الأحاديث تعتبر من المتواترة والمعمول بها لدى هذا الفريق من المسلمين ، في الوقت الذي يرفضها الفريق الآخر . وفي هذه الحالة قد تُبنى على هذا الرفض او القبول توجهات او تصرفات قد تؤدي إلى الإقتتال احياناً . وأشهر الأحاديث التي يمكن إعتبارها واحداً من كثير من الأمثلة على تبني السنة هو الحديث الذي تطرحه المدارس السنية على إختلاف مذاهبها والقائل " تركت فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي " في حين تنقل المدارس الشيعية الحديث بنص آخر يقول " تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ".

ومن هنا نرى بأن الموقف من السنة لا يتعلق بصحة او عدم صحة النص فقط ، بل انه يتعلق في تفسير النص ايضاً او تأويله ، كما في النص القرآني . وهناك الكثير الكثير من الأحاديث التي يفهم تحتها هذا الفريق غير ذلك المعنى الذي يفهمه الفريق الآخر ، وهذه هي الطامة الكبرى التي تعيشها الأمة الإسلامية باجمعها التي تتقاتل فيما بينها حول مدى مصداقية فلان او فلتان من المحدثين عن النبي محمد (ص) ، والذين عاشوا قبل مئات السنين .

كما بينا أعلاه بعدم وجود اي نص قرآني يحرم الرسم . إلا ان اعداء هذا الفن من الفقهاء يؤولون بعض الآيات كيفما يشاءون ليجعلوا من فنون الرسم والنحت والتصوير كبائر يعاملونها معاملة الشرك . ومن هذه الآيات التي يستندون عليها مثلاً ، الآيتين 48 "" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا "" و 116 "" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا"" من سورة النساء . وكذلك الآية 6 من سورة آل عمران " هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "


هذه الآيات يفسرها ويؤولها فقهاء الإسلاميين على ان رسم الأحياء او صنع التماثيل لها يعتبر تقليداً لعمل الإله وبالتالي فإنه يقع في موقع الشرك . وبالرغم من إتفاق معظم فقهاء المسلمين على هذا التفسير إلا ان بعضهم يطرح السؤال حول تعريف الكائن الحي أولاً وهل يشمل النباتات ايضاً إلى جانب الإنسان والحيوان ثانياً ؟ ويأتي الجواب على هذا السؤال من بعضهم على شكل طرح الفرضيات التالية :

أولاً : الحياة تعني كمال الخلقة بكل ما يتطلبه هذا الكمال من نطق وحركة وغير ذلك .

ثانياً : وجود الروح في الخلق الإلهي .

ونلاحظ هنا المحاولات التي يبديها البعض لإيجاد المخارج من هذه " المحرمات " التي اصبحت اليوم في عداد الركائز الإجتماعية في المجتمعات المتقدمة .

إلا ان منع الرسم والنحت والتصوير او تحريمها لم يأت لسبب ديني فقط ، بل انه إستند ايضاً إلى منع وتحريم ممارسات المجتمع قبل الإسلام حيث كانت قبا ئل الجزيرة العربية تصنع آلهتها من الطين او الخشب او التمر او الحجر وتجعلها في اماكن تعتبرها العشيرة او القبيلة مقدسة حيث تتم عبادة هذه الآلهة كوسيط بين إله ابراهيم الذي كان معروفاً تماماً لدى هذه القبائل قبل مجيئ الإسلام وبين أفراد العشيرة او القبيلة . أي انهم لم يكونوا منكرين لوجود الله ، بل كانوا يجعلون من اوثانهم وأصنامهم وسطاء بينهم وبين الله ، وهذا ما نهى عنه الإسلام حينما دعى إلى التوحيد المطلق .

وهنا ايضاً يحاول بعض الفقهاء التحري عن بعض الأساليب التي تخرجهم من هذا التحريم العام فيلجأون إلى طبيعة إستعمال الأصنام او الأوثان او المنحوتات بصورة عامة . فإن جرى إستعمالها للعبادة فإن ذلك يدخل في باب المحرمات القطعية التي لا نقاش فيها . أما إذا جرى إستعمال هذه الأشكال للزينة او كلعب اطفال مثلاً او إستعمال التصور الشمسية للأفراد في الوثائق والمستندات الرسمية ، فإن مثل هذه الإستعمالات تقع في باب الجائز المباح . وكذلك قياسهم على الأغاني فإن كانت دينية فإنها مباحة وإن كانت تدور حول الجمال والحب فإنها مرفوضة لدى هؤلاء اعداء الحب والجمال .

في الواقع يرينا التاريخ الإسلامي مراحل معينة من تطوره يبرز فيها الرسم كواحد من المنجزات الثقافية لتلك المراحل . ففي القرن الثاني عشر مثلاً ابدع الفرس في رسم صور فنية جميلة جداً ونحتوا تماثيل لأمراءهم وسلاطينهم . وامتد هذا الإرث الحضاري لنجده اليوم متواجداً في كثير من المجتمعات الإسلامية كصور للزعماء الدينيين والسياسيين في تلك المجتمعات او كطوابع بريدية تحمل مختلف الصور والمناظر الطبيعية او ما نجده من صور للأحياء مسكوكة على العملة المعدنية او الورقية . إن الحجة الشرعية التي رافقت هذا التطور إنطلقت من ان راسمي هذه الصور او صانعي هذه التماثيل لا يمكنهم إعطاءها نفحة روحية ، إذ ان ذلك يجري بقدرة الله فقط ، لذلك فإن مثل هذه الرسوم او التماثيل لا يمكنها ان تحاكي عملية الخلق التي تجري من قبل الله . واستناداً إلى هذا التحليل يسمح الشيعة مثلاً برسم أئمتهم وحتى تعليق صورهم في جوامعهم وحسينياتهم .

لقد أدى هذا الموقف الرافض للرسم والنحت وكل هذه الفنون الجميلة من قبل بعض فقهاء الإسلاميين إلى توجه المجتمعات العربية والإسلامية للإهتمام بفنون اخرى كالفن المعماري وفن الخط . ففي الفن المعماري برزت إمكانيات فنية رائعة جسدت النظرة الفنية في هذا المجال الذي برع فيه كثير من الموهوبين . كذلك أوجد الفن في رسم الحرف العربي كثيراً من الأشكال التي جسدت الأحياء على شكل حروف يتم خطها بالعديد من الأشكال لتبدوا على شكل كائن حي بشري او حيواني .

يتضح لنا مما تقدم ان مسألة تحريم فنون الرسم والنحت وكذلك ما الحقه فقهاء الإسلاميين بذلك من الموسيقى والغناء لا ترتبط بنص قرآني يفرض هذا التحريم ، بل ان ذلك جاء نتيجة لآراء شخصية من قِبَل من جعلوا انفسهم في مواقع دينية ينشرون من خلالها افكارهم بعد ان يضعوها في قالب ديني يوحي بقدسيتها واتباعها والإلتزام بها ، وما هي في الحقيقة إلا تأويلات اشخاص لهم طابعهم الخاص في التفكير لذلك فإن قراراتهم هذه خاضعة للخطأ والصواب بأي حال من الأحوال .

وليس ادل على شخصنة مثل هذه القرارات والفتاوى اكثر من الضجة التي اثارها السيد ابراهيم الجعفري السياسي العراقي المتدين جداً حول إنزعاج جنابه الكريم من إعتراض احد المواطنين العراقيين على تعليق صور الخميني وخامنئي في شوارع العراق وحتى في بعض المؤسسات الرسمية . واعتبر جناب السيد الجعفري ان مثل هذا الإعتراض على تعليق صور الرموز الشيعية ، نعم الرموز الشيعية الإيرانية ، ما هو إلا إهانة للشيعة العراقيين ، وكأن جنابه يريد القول بأن الشيعة العراقيين تعرضوا للإهانة ، وهو واحد منهم طبعاً ، طيلة هذه الفترة التي لم تُعلَق فيها صور الخميني وخامنئي في شوارع العراق او داخل المؤسسات الحكومية العراقية . تباً لهذا الزمن البائس الذي يعيشه العراق وأهله اليوم مع هؤلاء القادة البؤساء .

كما تعرض المقال القيم اعلاه للأستاذ الكاتب طارق حجي إلى علاقة الإسلاميين بالمرأة والنظرة السائدة لديهم حولها والطرق التي يؤمنون بها في معاملتها بغض النظر عن كونها زوجة او ام او اخت او بنت او زميلة عمل . وحول هذا الموضوع كتبنا الكثير من المقالات المنشورة في مختلف المواقع العراقية والتي تفند هذه النظرة الدونية للمرأة ، خاصة في هذه المرحلة من التطور التي تمر بها البشرية ومدى تزايد حاجة المجتمعات إلى المشاركة بين الرجل والمرأة في مواجهة التحديات المختلفة التي يواجهها المجتمع والتي تواجهها الأسرة. فلكل من يرغب الإستزادة في ذلك فاليراجع هذه المقالات .

وفي الختام لا يسعني إلا ان اشكر المفكر الكبير والكاتنب القدير الأستاذ طارق حجي على مقاله القيم اعلاه وعلى إتاحة الفرصة لي للتطرق ببعض اإسهاب إلى ما تفضل به راجياً إثراءنا بمعارفه الجمة وفكره النير .

الدكتور صادق إطيمش



 

 

 

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة