جريمة صوريا .. وحقوق الضحايا ... حميد مراد

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
صبيحة يوم (16 ايلول 1969) وبعنجهية وشوفينية الملازم عبد الكريم الجحيشي احد ضباط الجيش العراقي ارتكبت مجزرة صوريا بحق المدنيين العزل من ابناء قرية صوريا بمحافظة دهوك، قتل في هذه الفاجعة ( 39 ) ضحية وعدد من الجرحى نجو بأعجوبة من نيران الجنود، وكان في مقدمة الضحايا الكاهن حنا قاشا الى جانب العديد من الاطفال والنساء والشيوخ.
وقعت تلك الجريمة عندما تم فتح النار من قبل الجيش وبأمر مباشر من المتخلف المذكور اعلاه على المواطنين في هذه القرية الجميلة الغافية على نهر دجلة الخالد، وقعت أحداث هذه الجريمة بسبب انفجار لغم على الطريق العام القريب من القرية اثناء مرور رتل عسكري.
والغريب في أمر الحكومة آنذاك هو قيامها بمجموعة من الاجراءات الامنية وبسرية تامة وسريعة بعيدا ً عن الضجيج الاعلامي، وكانت هذه النقطة الصفة البارزة في نهج النظام القمعي الذي حكم العراق، ومن اهم ما قامت به في البداية منع معالجة الجرحى في المستشفيات القريبة ان كانت في قضاء زاخو او محافظة دهوك، ثم كرمت الضابط، وغضت النظر عن ارتكابه هذه الفعلة الجبانة، وكأن هؤلاء ليسوا مواطنين عراقيين او بشر لديهم حقوق في هذه الدولة.
وقد فسرت هذه التداعيات من قبل بقية الضباط والمراتب لاسيما ذوي الميول الطائفية والعنصرية واعداء الحرية على ان الحكومة راضية عن هذه الافعال، وهي اشارة واضحة لتشجيع وارتكاب مجازر آخرى على مسرح عمليات المحافظات الشمالية بحق الابرياء، ونرى كيف تم تدمير آلاف القرى واعتقال الآلاف من الناس باوامر المسؤولين  الذين كانوا فوق القانون وفوق كل الاعتبارات الوطنية والاخلاقية وإلانسانية.
وبعد احداث صوريا انكشف وجه الحكومة الجديدة التي استلمت مقاليد الحكم في 17 / تموز / 1969 واصبح واضحا ً بانها سوف تحكم بالحديد، وباشروا بتأسيس الاجهزة الامنية القمعية لتنفرد بكل شئ في الدولة من ضمنها حياة المواطنين وان كانوا ابرياء مستقلين، ثم توالت الويلات على المدنيين وعلى التنظيمات السياسية والاعلامية الحرة، وارتكبوا الجرائم التي لا تعد ولا تحصى فشملت كافة فئات الشعب العراقي، واصبح شعارها الارهاب لكل من يحاول ان يمسها وان كان في الحلم، واخذو بجدارة واستحقاق المركز الاول عالميا ً بقتل الناس في القرن العشرين، وبقدرة قادر تم الاطاحة بالدكتاتورية عام 2003 من قبل القوات الدولية لينتهي معها عصر قمع الحريات، وعصر مؤسس المقابر الجماعية في العراق.
بعد سماع اهالي القرى المجاورة لاحداث القتل الجماعي في صوريا تمالكهم الخوف لان اغلب الحكومات التي حكمت العراق كانت لا تتأخر في قمع الشعب لا سيما وان ذاكرة احداث أيلول عام 1961 كانت قريبة، ويتذكرون كيف الطائرات والمدفعية قصفت قراهم فهجروا منها قسرا ً الى بغداد وبقية المدن والمحافظات الآخرى، فعائلتنا، مثلا، كان نصيبها بغداد، واتذكر وانا كنت صغيرا ً رأيت والدتي رحمها الله حزينة وقلقة، وعند قدوم والدي من العمل بكت، وقالت له هل سمعت اليوم بأن اهل صوريا قتلوهم؟ قال عرفت، قالت ما العمل اهلنا في صوريا قتلوهم اليوم، ونحن هجرونا بالامس، ماذا سيكون حالنا في المستقبل نحن في خطر، قال الله كريم، ليمر الزمان وبعد ( 34 ) من تلك الاحداث اضطررنا الى الهجرة مرة آخرى لكن هذه المرة الى خارج الوطن، ويستمر مسلسل العنف ضد شعبنا مما اضطر ثلثين منه الى المغادرة الى دول الشتات مع غلق كافة الافكار واحتمالات العودة الى بلد اجداده وتاريخه.  
 وقبل عامين نشط عدد من ابناء شعبنا للمطالبة بتحديد القبور لشهداء صوريا وفتحها، ودعم هذه المطالب الاستاذ سركيس آغا جان نائب رئيس الوزراء ووزير المالية الاسبق، الكابينة الخامسة في حكومة أقليم كوردستان العراق، فتم التحرك على وزارة الشهداء والمؤنفلين في حكومة الاقليم، فنجحت المساعي، بعدها تم فتح مقبرتين جماعيتين الاولى فيها رفات ( 25 ) شخصا ً من ابناء الشعب الكلداني السرياني الاشوري، والثانية فيها رفات ( 14 ) شخصا ً من ابناء الشعب الكردي، وفي مرحلة آخرى جرت مراسيم الدفن بحضور رسمي وشعبي في قرية صوريا، ومن ثم تم تكليف المحامي هفال وهاب رشيد لمتابعة ملف شهداء صوريا في المحكمة الجنائية العليا العراقية التي بدورها اثبتت الشكوى المقدمة على اعتبار جريمة صوريا الشهيدة احدى جرائم الابادة الجماعية التي نفذتها الحكومة العراقية ضد الاهالي المدنيين، والمطالبة بمعاقبة منفذي هذه الجريمة لتقديمهم الى القضاء، وتعويض ذوي الشهداء.
ورغم مرور اربعة واربعين عاما ً ولغاية الان لم تمنح الدولة الحقوق المستحقة لذوي ضحايا صوريا، لذا نرى من الضروري ان تكون هناك لجنة او فريق عمل متطوع من الاحزاب والمؤسسات والمنظمات والهيئات الاعلامية التابعة لشعبنا للضغط على الحكومة العراقية لتعويض المتضررين ومنح الحقوق الكاملة لإبناء هذه القرية، والاهتمام بها، ورد الاعتبار لها، ومعالجة آثر هذه الفاجعة نفسيا ً ومعنويا ً، والسعي لشمولهم بقانون مؤسسة الشهداء لكونهم من ضحايا النظام السابق.

 


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة