حقيقة الإسلاميين وواقعهم المُخزي ـ القسم الرابع ... الدكتور صادق إطيمش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

الأمر الآخر الذي تطرق له الكاتب الكبير الأستاذ طارق حجي في مقالته اعلاه تناول موضوع موقف الإسلاميين من الدولة الحديثة وقوانينها حيث قال :

"" خلال أربعين سنة من دراسة الاسلام السياسي لم أقرأ في أي كتاب ولم أسمع من أي إسلامي ( وقد حاورت المئات منهم) أي قبول لاصدار الدولة الحديثة (في المجتمعات ذات الأغلبية الإسلامية) لتشريعات لتنظيم الزواج والطلاق تقوم على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة وتحرم (وتجرم) زواج الرجل من أكثر من إمرأة واحدة أو تعطي المرأة حق إنهاء العلاقة الزوجية مثل الرجل أو تسمح بإقتسام مجموع ثروة الطرفين عند وقوع الطلاق ، أو تعيد النظر في قواعد المواريث على أساس إنها كانت مناسبة لوضعيات إجتماعية قبلية لم يعد لها وجودفي حياتنا المعاصرة.""

 

قبل عامين تقريباً ، وربما اكثر، إتخذت الدولة الصهيونية قراراً يوجب على مواطنيها القسم على الإخلاص للدولة بكل ما تتبناه من سياسة وقوانين وتعليمات . وقد إستثنت المواطنين اليهود من ذلك باعتبار ان إخلاصهم للدولة اليهودية امر مفروغ منه ولا حاجة بهم لإداء هذا القسم . وقد علقنا في وقته على ذلك إنطلاقاً من مبدأ الديمقراطية التي تتبجح العصابة الصهيونية السير عليه في بناء دولتها . وقلنا في حينه ان مثل هذا القرار لا علاقة له بالديمقراطية وحقوق الإنسان بجعل الدين هو المشر الرئيسي في قيادة الدولة التي يجب ان تأخذ اليوم طابعاً ديمقراطياً مدنياً يتماشى ومعطيات القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية . إلا أن هذه المسألة كإجراء لا ديمقراطي تنتهج فيه الدولة هذا النوع من سياسة الإضطهاد من خلال تبنيها إلصاق الدين بالدولة لا تشمل الدولة الصهيونية فقط ، بل وتشمل كل تلك التوجهات التي تتبنى مثل هذه السياسة ، ومن ضمنها توجهات الإسلاميين وعملهم على إلصاق الدين بالدولة، والتي تجعل هذه الدولة تأخذ صفة هذا الدين أو ذاك . إن هذا الإلتصاق بدين معين سيفقد الدولة ، مهما تبجحت بالديمقراطية ، صفتها الشمولية من حيث علاقتها بمواطنيها ويوجهها وجهة أحادية نحو الدين الذي تتبناه وتؤكد على تبنيه عبر قوانين تُطبق بالقوة على أولئك المواطنين الذين يفكرون بإتجاه غير ذلك الإتجاه الديني الذي تبنته الدولة . وسيكون الأمر أشد رعباً وفضاعة حينما ترتبط مثل هذه القوانين بعقوبات تُفرض على مَن لا يلتزم بنصوصها حرفياً .وهنا لابد لنا من الإشارة إلا ان فقهاء الإسلاميين واحزاب الإسلام السياسي حينما تدعوا إلى الدولة الدينية فإنها والحالة هذه تتبنى فكرة الدولة الدينية والتي تشارك الدولة الصهيونية بتوجهها هذا حتى وإن إختلف الدين ؟ إن فقهاء الإسلاميين سيقفون حتماً ضد سياسة الحكومة الصهيونية في إسرائيل في سنها وتطبيقها لمثل هذه القوانين كونها ستؤدي إلى إجبار المسلمين على الولاء لدين غير دينهم وهم مجبرون على ذلك حتماً. فهل يجوز لهذه الأحزاب أن تسمح لنفسها بتبني منهج الدولة الدينية وترفض مثل هذا النهج لدى الآخرين ؟ الدين هو الدين كونه قناعة والتزام من قبل الفرد ذاته ، خاصة فيما يتعلق بالأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام . وربطه بالدولة التي لا تقوم ذاتها بالعبادات المتعلقة بهذا الدين امر لا ينسجم والمنهج الديني واسسه ، فالدولة ذاتها لا تصلي ولا تصوم ولا تُزكي ، بل ان الدولة الدينية تفرض ذلك على الآخرين ، وإجبارهم احياناً ، من خلال قوانين يسري مفعولها على جميع مواطنيها بغض النظر عن قربهم أو بعدهم عن هذا الدين. ربما ستفسر أحزاب الإسلام السياسي وفقهاؤها قناعاتها بالدولة الدينية ، والإسلام دين الدولة ، والإسلام هو الحل وغير ذلك من الشعارات الجوفاء التي فقدت أي معنى وذلك من خلال ترديدها الببغاوي ، بان الإسلام يختلف عن الأديان الأخرى . فيعيدون ويكررون نفس الإسطوانة المشروخة حول إحترام الإسلام للأديان ألأخرى ويستشهدون ببعض الوقائع التاريخية التي لا يمكن عكسها أو القياس بها على واقع اليوم في عالم القرن الحادي والعشرين ، إذ ان لكل حادث حديث ، كما يقال . وربما سيسمحون لأنفسهم بترديد مثل هذه الأكاذيب التي لم تتحقق بالمستوى الذي يطبلون له في اية مرحلة من مراحل دولهم الإسلامية الحديثة التي قامت على مبادءهم هذه ، وأمثلة دولة الطالبان في أفغانستان وولاية الفقيه في إيران ودولة البشير في السودان ، وجميع التجارب الفاشلة التي تمخضت عن هذا الفكر المتخلف المنادي بالدولة الدينية التي سوف لن تكون إلا دولة دكتاتورية بالضرورة ، إن كل هذه التجارب وما نعيشه اليوم من واقع الدولة الصهيونية ، ما هي إلى شهادة حية على دكتاتورية الدولة الدينية ، بغض النظر عن اي دين تتبناه . إنها الدكتاتورية الثيوقراطية ، دكتاتورية سيطرة مَن يدّعون أحقيتهم في تمثيل الدين وبالتالي شرعية إجبار الآخرين على تبني ما يرونه فقط . لعبة كانت قد مارستها الكنيسة في أوربا قبل أن تقضي عليها الحركة ألإصلاحية الأوربية . وتمارسها اليوم أنظمة في المجتمعات الإسلامية مستنسخة نفس صورة الكنيسة الأوربية مع الفارق في الزمن الذي وفر لتسلط المدعين بتمثيل المؤسسة الدينية اُلإسلامية على شؤون الناس أدوات قمع حديثة جديدة يوظفونها للتخلص من كل مَن يجرأ على رفع صوته ضد القهر والجور والقمع الذي تمارسه هذه المؤسسة باسم الدين لتنتهك بذلك أبسط مبادئ الدين ألإسلامي الذي يذكرونه دوماً بأنه دين السلام والمحبة والعدالة ولم نرَ في تصرفاتهم أيآ من هذه المبادئ التي يدعون الإلتزام بها .

على هذا النموذج البدائي يريد ألإسلام السياسي القفز على معطيات ومبادئ السلام الإجتماعي الذي تسعى إليه المجتمعات المتحضرة من أجل سعادة الإنسان ، أي إنسان ، الذي جعله الله خليفته على الأرض ، إن كان المتأسلمون يؤمنون حقاً بهذه الفكرة . وعلى هذا النموذج المتخلف فكرياً يسعى ألإسلام السياسي ، تماماً كما تسعى الصهيونية العالمية بالتأسيس لدولتها اليهودية ، إلى جعل الناس طبقات في هذه الدولة التي يكون فيها مَن إعتنق دين السلطة الحاكمة مفضلاً على الآخرين . وانطلاقاً من هذا النموذج الجاهل يجري هجوم دعاة الإسلام السياسي في كل مجالسهم على النموذج العلماني للدولة الحديثة واصفينه بما إمتلأت به جعبتهم من مصطلحات الكفر والإلحاد والزندقة والفساد والأفكار المستوردة وكل تلك التقيؤات التي لم يقدموا حجة علمية واحدة على صحتها ولم يشيروا إلى مثال واحد من أمثلة المجتمعات العلمانية القائمة اليوم ليؤكدوا فيه صحة إدعاءاتهم فيتجنبون بذلك ، حتى ولو بمثل بسيط واحد ، بعض أكاذيبهم التي ينشرونها في كل مجالسهم بين البسطاء من الناس الذين حرمتهم الأنظمة القمعية الدكتاتورية التي تسلطت عليهم ، من الوصول إلى بعض مراحل التعليم التي تؤهلهم ليفكروا ملياً بمثل هذه الأكاذيب التي لا علاقة لها البتة بالتعاليم الدينية التي تدعو إلى المحبة والإلفة والصلاح في المجتمع ، لا إلى الإقتتال والعنف والكذب على الناس. 
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن فور اً هو : هل أن التشابه على الإصرار في بناء الدولة الدينية بين الحركة الصهيونية العالمية وبين ما يروج له فقهاء الإسلاميين جاء محض الصدفة ، أو أنه مجرد توارد خواطر لا غير ، أو أن له مدلولات أخرى لا يعلمها إلا ذوي الإختصاص في هاتين الحركتين الصهيونية والإسلاموية ....؟؟ والله أعلم .

وللتدليل على ان الدولة الدينية دولة دكتاتورية ، نحاول في هذا الطرح ان نعالج المرتكزات التي تسعى الدولة الدينية الإسلامية إلى جعلها الموجه الرئيسي لهذه الدولة ونحاول في هذا المجال ان نأخذ مثالين للدولة الدينية يمثل احدهما الدولة الدينية السنية المتمثلة بالدولة الوهابية ، ويمثل المثال الثاني الدولة الدينية الشيعية المتمثلة بولاية الفقيه في إيران:

. عدم إحترام مؤسسات الدولة الدينية الإسلامية هذه للحريات الشخصية : هناك كثير من ألآيات القرآنية التي تؤكد على خصوصية التدين وإعتبار إلتزام الإنسان بتعاليم الدين أو عدمه من الأمور التي تنظم العلاقة بين الخالق والمخلوق حيث تُسأل كل نفس عما قدمت وأخرت , وإن كان هناك ما يستوجب تدخل شخص ما في هذه العلاقة بين ألإنسان وربه فإن هذا التدخل يجب أن لا يتعدى النصح والإرشاد بالتي هي أحسن . وقد أشرنا في الحلقات السابقة من هذه المقالات إلى بععض النصوص القرآنية في هذا المجال كالآية� 256 من سورة البقرة التي تنص على أن لا إكراه في الدين, ونصوص الآيات 29 من سورة الكهف و 107 من سورة ألإسراء التي تترك خيار الكفر والإيمان للإنسان نفسه. وهناك المزيد من هذه النصوص التي ترفض إستعمال العنف وتوظيف الإكراه أو القوة لإجبار الإنسان على تبني ألإيمان , إذ أن ألإيمان هو القناعة التامة التي يعتبرها الإسلام مرحلة متطورة ومتأخرة على تبني ألدين ذاته . فلا يُعد كل من إدعى ألإسلام من المؤمنين حسب منطوق ألآية 14 من سورة الحجرات " قالت ألأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ألإيمان في قلوبكم ...." فأين سياسة هذين النظامين الدكتاتوريين المعمول به حاليآ في كل من إيران والمملكة العربية السعودية من ذلك ؟ وأين الحرية الشخصية التي تضمنتها النصوص القرآنية التي يدعي القائمون على أمر البلاد والعباد في هذين البلدين ألإلتزام بها وتطبيقها في أنظمتهما السياسية ؟ إن جميع التقارير التي تنشرها المنظمات ألإنسانية المحايدة تشير بالوقائع والأرقام إلى سياسة القمع والتنكيل والزج في السجون المختلفة المنتشرة في جميع أرجاء هذين القطرين ، أُُعدت لأصحاب الرأي ألآخر وحملة الفكر والقلم الذين تجرأوا على رفع أصواتهم ضد إنتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها حكام ولاية الفقيه في إيران والدولة الوهابية في السعودية . قد يردد قائلهم ما إجتره حملة فكرة المؤامرة فيعتبر جميع هذه المنظمات ألإنسانية عميلة للصهيونية والإمبريالية التي تتآمر على الإسلام وأهله , فيزيدون بذلك شرخآ مقززآ آخر على شروخ هذه ألإسطوانه الممجوجة. فإعتداءاتهم المتكررة على كل من يخالف توجهاتهم الظلامية لا يفرقون في ممارستها بين حرم جامعي أو محل العمل اليومي أو على الشارع العام أو إقتحام الدور السكنية أو حتى في الجوامع والحسينيات التي يتواجد فيها أبناء طائفتهم المخالفين لهم في ألرأي والتوجه ، أدلة لا تقبل الجدل على ممارساتهم الدكتاتورية البغيضة . فأين يكمن الإختلاف في الممارسة العملية القمعية بين ممارسات هذين النظامين وممارسات اعتى الدكتتاتوريات التي عرفها العالم الحديث .������������

 

2. تنص كافة التعاليم الإسلامية الدينية المتفق عليها من قبل جميع الطوائف الإسلامية على أن ألأمة فقط , وليس الخليفة أو الوالي أو الملك أو المرشد , هي مصدر السيادة . أي أن المتربع على قمة الهرم السياسي في البلاد يستمد سلطاته من ألأمة التي تملك كل الحق في عزله عن ولايته متى رأت فيه إنحرافآ يقوده إلى ما لا يرضى به مجموع ألأمة . وبذلك فإن ألأساس العام للسلطة السياسية ينطلق من إمكانية أي فرد في المجتمع من ألتأثير على إختيار من يراهم من المؤهلين على ممارسة هذه السلطة بجدارة . ولم تُبح التعاليم ألإسلامية إنفراد أي شخص بإتخاذ القرار أو إجبار ألآخرين على تبني هذا القرار أو ذاك , إذ أن القرآن الكريم نفسه لم يأذن لرسول ألله محمد (ص) أن يكون مصيطرآ على ألآخرين , كما جاء في الآيتين 21 و 22 من سورة الغاشية " فذكر إنما أنت مُذكِر, لست عليهم بمصيطر". ولقد فسر ألإمام الراحل محمد عبده ذلك قائلآ : ليس في ألإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى ألخير والتنفير عن الشر. وهي سلطة خولها ألله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم , كما خولها لأعلاهم يتناول بها أدناهم . ( ألأعمال ألكاملة للأمام محمد عبده , ج 3, ص. 286 ) . وكثيرآ ما يتبجح أدعياء الدولة الدينية الوهابية , وولاية الفقيه بمبدأ الشورى الذي ورد في القرآن الكريم بإعتباره شكلآ من أشكال الديمقراطية ألإسلامية ويضعونه كبديل للديمقراطية البرلمانية المعمول بها اليوم في الدول التي يقوم نظامها ألسياسي على ذلك. إن هذا ألإدعاء لا يستند على أساس ديني أو علمي . فالشورى لغويآ لا تعني ألإنتخاب , بل تبادل الرأي .فحينما ينص القرآن الكريم على أن أمر المؤمنين شورى بينهم , أو أنه يوصي النبي محمد (ص) أن يشاور المؤمنين بالأمر ,فإن ذلك يعني الإستئناس بآرائهم قبل إتخاذ القرارفي هذا ألأمر أو ذاك . وإن المعروف عن النبي بأنه كان يطبق هذا المبدأ في حياته ولم يُطبق ذلك كصيغة إنتخابية ، إذ لم تجر أية إنتخابات طيلة فترة الرسالة سواءً في عهدها المكي أو في عهدها المدني . كما أن مبدأ الشورى لم يُطبق حتى بعد وفاة النبي كصيغة إنتخابية أو حتى كصيغة إستشارية بين جميع المسلمين . "فالمناقشات " الحادة التي جرت في السقيفة بعد وفاة النبي والتي أسفرت عن النزاع بين المهاجرين والأنصار والنزاع بين بعض المهاجرين والأنصار وبني هاشم ومن حالفهم من المسلمين آنذاك , لم تكن تحمل أي شكل من أشكال المشورة التي حث عليها النص القرآني , والدليل على ذلك هو الإرث الثقيل الذي يحمله المسلمون كافة حتى يومنا هذا كنتيجة منطقية للصراع الذي جرى على السلطة آنذاك والذي لم يكن يحمل أي صفة من صفات تبادل الرأي الذي نص عليه القرآن الكريم أو الإختيار الحر بالشكل الإنتخابي المعروف لدينا اليوم . وما تلا ذلك فإنه معروف لمن لديه أبسط ألإطلاع على مجريات تبادل السلطة في المجتمعات الإسلامية طيلة تاريخها القديم والحديث . فالخليفة أبو بكر الصديق (رض) أوصى بتعيين الخليفة الثاني عمر إبن الخطاب (رض) , وربما نستطيع أن نصف الرجال الذين عينهم الخليفة الثاني لإنتخاب الخليفة من بعده كنوع من الشورى , إلا أن حتى هذا النوع من الشورى لم يُطبق كما نص عليه القرآن الكريم إذ أنه لم يشمل كافة المؤمنين أولآ ولإنه كان مُكبلآ بشروط لإختيار الخليفة الثالث ثانيآ, والذي أسفر عن خلافة عثمان بن عفان (رض) . أما ألأحداث التي سبقت ورافقت والتي تلت تولي الخليفة الرابع علي إبن أبي طالب (رض) خلافة المسلمين والتي إتصفت بالعنف الذي أدى إلى مقتل الخليفة الثالث ونشوب الحرب بين المسلمين أنفسهم في معركة الجمل , فلا مجال لذكر الشورى فيها من قريب أو بعيد . ولا حاجة بنا هنا إلى التطرق إلى ما آلت إليه طبيعة الحكم في المجتمعات ألإسلامية في العهد ألأموي وما تلاه من أنظمة ألحكم المتعاقبة التي جعلت من الدين العصا التي تتوكأ عليها السلطة الحاكمة لممارسة الحكم بالقوة وقمع المعارضين بنفس العصا هذه , وهذا ما نراه سائدآ حتى اليوم , وولاية الفقيه في إيران والسلطة الملكية الوهابية في السعودية يقدمان المثالان الصارخان في عالم اليوم على هذا النهج الدكتاتوري.
وهنا قد يلجأ المدافعون عن هذه الأنظمة الدكتاتورية, خاصة أُولئك المنتفعين من هذا النظام أو ذاك , إلى رفض لصق صفة الدكتاتورية بهذه الأنظمة وحجتهم في ذلك ألإنتخابات التي تجري بين الحين والحين خاصة في إيران . وهنا يجب أن نذكر هؤلاء بوصمهم للبعثفاشية بالعراق بالدكتاتورية , وهم على حق في هذه ألرؤيا التي تبنوها أيام معارضة قسم منهم للبعثفاشية آنذاك , إلا أن نظام الجريمة البعثفاشية في العراق قد قام ولعدة مرات بإجراء إنتخابات واستفتاءات لم يسفر أي منها عن تحسين وجه المجرمين القائمين على هذه الإنتخابات التي لم توقف الجريمة ولم تنتشل المواطن من غياهب الدكتاتورية البعثفاشية المقيتة , وذلك لسبب واضح وبسيط جدآ وهو أن هذه الإنتخابات كانت تجري بين عناصر هذا النظام أنفسهم , وكلنا يتذكر الشروط التعجيزية التي كانت توضع للترشيح لهذه الإنتخابات بحيث لا يستطيع أي إنسان خارج هذه المجموعة أن يخترق الجدار الذي وضعته البعثفاشية حولها . وكلنا يتذكر أيضآ ما آلت إليه هذه ألإنتخابات من " مجالس وطنية " لا رأي لها , عاجزة عن إتخاذ أي قرار لا يرضى به سيدهم . وما جرى بالعراق بالأمس يجري بإيران اليوم . فالمرشحون للإنتخابات ألإيرانية يجب أن ينحدروا من تشكيلة النظام نفسه ولا يُسمح لأي مرشح لا يرضى عنه المرشد الأعلى , الذي لم ينتخبه أحد , على ألإستمرار في الترشيح وخوض ألإنتخابات . وعلى هذا ألأساس فإن المجالس البرلمانية التي تتمخض عن إنتخابات كهذه لا ينتظر منها المواطن غير تنفيذ أوامر المرشد ألأعلى الذي يمارس سياسة فردية لا يعلم أحد مصدرها القدسي هذا وكلنا يعلم أن الوحي قد إنقطع عن ألأرض بعد وفاة النبي محمد (ص), أوعلاقتها بتعاليم الدين ألإسلامي الذي يرفض التسلط والصيطرة , كما تشير ألآيات القرآنية الكريمة أعلاه إلى ذلك . أما في النظام الوهابي الدكتاتوري فإن مصطلح الإنتخابات لا وجود له ضمن القاموس السياسي لهذا النظام المتخلف ، لذلك فلا مجال للتعليق على هذا الأمر هنا

3. عدم تطبيق مبدأ المساواة بين الناس في الدولة الدينية والذي يُعتبر من المبادئ الأساسية في التعاليم ألإسلامية الحقة . كثير من العراقيين ذوي التوجهات الدينية المعارضة للنظام الدكتاتوري البائد بالعراق والذين لجأوا إلى إيران فرّوا منها هاربين بعد أن ذاقوا مرارة العيش خلال الفترة التي قضوها مع نظام ولاية الفقيه . وحتى أُولئك الذين ينتمون إلى نفس المذهب كانوا يشيرون على معارفهم بعدم التوجه إلى إيران للجوء فيها من تنكيل البعثفاشية وينصحونهم بتفضيل " الدول الكافرة " في أوربا أو أمريكا أو أستراليا على " دولة ألإسلام " في إيران تحت نظام ولاية الفقيه....لماذا.....؟ لأن هؤلاء العراقيين قد لمسوا وبشكل مباشر من خلال تعامل هذا النظام معهم مدى تشبع القائمين على أمور البلاد والعباد في إيران بالتعصب العرقي الذي لم يشفع تجاهه حتى الإنتماء المذهبي الذي ينتمي إليه معظم العراقيين اللاجئين إلى إيران والذي يشتركون به مع أغلب التوجهات الدينية لدى الشعب ألإيراني . لقد لاحقت ألأجهزة القمعية لدى ولاية الفقيه معظم العراقيين ونكلت بهم من خلال حرمانهم من العمل أو تضييق نطاق حركتهم أو حتى أنها قامت بتسليمهم إلى سلطات البعثفاشية بالعراق .
أما ما قاساه العراقيون من أجهزة النظام الوهابي أثناء قمع الإنتفاضة الشعبية في جنوب العراق في آذار 1991 واضطرار الثوار العراقيين اللجوء إلى الأراضي السعودية ، فإنه أمر لم يعد خافياً على أحد . إن المعاناة الشديدة والمعاملة الفجة القاسية التي عاشها العراقيون في مخيمات آل سعود الصحراوية لا يمكن إلا أن تشير إلى همجية هذا النظام الذي يدعي إنتسابه للقومية العربية ، لا بل يعتبر نفسه مهداً لها ، في الوقت الذي يلقى فيه العراقيون العرب الذين يطلبون نجدته هذا النوع من التصرفات الصلفة تجاههم وهذا الإجحاف بحقهم والذي لا يمكن أن يُقال عنه سوى أنه لا ينم إلا على تلك التصرفات الدكتاتورية التي تخشى خيال معارضيها ، فتصب عليها ما بحوزتها من إجراءات القمع والتنكيل غير آبهة بأية إعتبارات أخرى دينية كانت أو قومية .
إن سلطات كهذه تدعي الإلتزام بتعاليم الدين ألإسلامي وتطبيقها على واقع حياتها اليومية تضرب هذه التعاليم عرض الحائط في مماراساتها الفعلية تجاه الآخرين . فالقرآن الكريم ينص على أن الناس سواسية أمام ألله , وإنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى و " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبآ وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند ألله أتقاكم إن ألله عليم خبير" ( ألحجرات13 ) من ألطبيعي أن يعترض مداحو هذه الأنظمة على ذلك وينكرونه مع أن بعضهم , وليس كلهم , قد عانى من ويلات القائمين على شؤون ولاية الفقيه مثلاً إلا أنهم لا يجهرون بذلك لغاية في نفس يعقوب أولآ وبسبب المكابرة والعنجهية أو العصبية المرفوضة دينيآ أصلآ ثانيآ. أما نكران البعض الآخر لذلك فلا حاجة إلى ألإشارة إليه هنا إذ أن شهادات آلاف العراقيين الذين عانوا من تعاون هؤلاء مع أجهزة النظام القمعية فلاحقوا أبناء وطنهم خدمة لمصالحهم الذاتية أو مصالح أحزابهم وحركاتهم التي موّلها ورعاها نظام ولاية الفقيه لتساهم في ذبح العراقيين بالأمس , كما تساهم المخابرات ألإيرانية والسعودية وبعض ألأنظمة العربية ومن يسير في ركابها من الموتورين في ذبح العراقيين اليوم . كما قد يعترض البعض الآخر من المداحين محاولآ ربط هذه الحقائق بالدعوات العنصرية المتكررة التي كانت تطلقها البعثفاشية ضد الشعب ألإيراني . إن هؤلاء لا يفرقون بين التعصب الشوفيني الذي كانت تتبناه أفكار وممارسات حزب البعث والذي جعلت من الشعب ألإيراني بكافة قومياته عدوآ أبديآ للشعب العربي سواءً في العراق أو خارج العراق وبين فضح السياسة الشوفينية العنصرية التي يتبناها حكام متعسفون تمترسوا وراء الدين وليس وراء الشعب ألإيراني الذي ينأى بنفسه , ككل الشعوب الحرة المناضلة , عن تبني مثل هذا الحقد ألأسود الذي يمارسه قادة ولاية الفقيه ضد ألآخرين .


4
. القادة المتسلطون على رقاب الناس في ولاية الفقيه وفي الدولة الوهابية لا يعترفون بالغير إلا بقدر خضوع هذا الغير لمنهجهم , ينكرون عليه حتى تلك الحقوق البسيطة التي وضعوها في دستور البلاد أو ضمن بعض القوانين والتعليمات التي جاءت تماشيآ مع التطور العالمي لإحترام حق ألتعبير عن الرأي بكل الوسائل التي يتيحها عالَم المعلومات الحديث . إنهم ينكرون على ألآخرين حق ألإختلاف معهم ، وإن تجرأ حزب سياسي أو حتى ديني أو أية مجموعة أخرى على إعلان هذا الخلاف فلا يواجَه ذلك إلا بالقمع المتمثل بمطاردة الأشخاص الداعين إلى هذا ألأمر الذي لا ينسجم مع مزاج المرشد ألأعلى أو توجهات صاحب الجلالة خادم الحرمين أو المفتي الأعلى الذي جعل من نفسه الممثل الشرعي لله على الأرض ، ومقاضاة وملاحقة وكم أفواه وسائل الإعلام التي روجت لأي رأي معارض لتوجهاتهم . إن وسائل ألإعلام العالمية تتناقل يوميآ أخبار الصحفيين والسياسيين وحتى رجال الدين التي تعج بهم سجون هذين النظامين وتَعرُضِهم لكل وسائل ألإهانة والتعذيب التي قد تصل إلى حد الموت أحيانآ , لا لذنب جناه هؤلاء إلا لكونهم لا يتماشون مع الخط الذي رسمه المرشد ألأعلى او أنهم لم يتبنوا طروحات المفتي الأكبر أو لم يخضعوا لأوامر العائلة المالكة وكأن ألإختلاف مع هؤلاء جريمة لا تغتفر.
إن مثل هذه الإجراءات التعسفية ضد المخالفين للتوجهات السياسية والثقافية والإقتصادية للقائمين على امور هذين النظامين الدكتاتوريين لا تنسجم وأبسط أوليات الدين ألإسلامي الذي يتبجح به قادة هذين النظامين . وإنهم بسلوكهم هذا إنما يتنكرون للإرادة الألاهية ذاتها والتي جعلت من الناس مختلفين في كل شيئ , وإن سر التعايش بين الناس يكمن في إختلافهم عن بعضهم البعض وليس في تشابههم في الفكر والعقيدة والمنهج الحياتي والإنتماء الديني أو المذهبي . إذ " ولو شاء ربك لجعل الناس أُمة واحدة , ولا يزالون مختلفين , إلا من رَحِمَ ربُك ولذلك خلقهم" ( هود 118 , 119 ) . ألإنسان ألآخر الذي يريد الملك الوهابي أو المرشد ألأعلى لولاية الفقيه إنهاء وجوده وقمعه لإختلافه معه في الرأي , إجراء دكتتاتوري بالمعنى السياسي ولا ديني بالمعنى ألأخلاقي


5. يقود نكران ألآخر هذا إلى ظلمه وإجحافه ومحو حقوقه في المواطنة . وهذا ما يجري تنفيذه يوميآ ضمن الإجراءات القمعية التي تتخذها سلطات الدولة الوهابية وولاية الفقيه وتبريرها لذلك بحجة حماية الدين من الشيطان ألأكبر ومن إسرائيل ومن المتآمرين على ألإسلام و....و.... إلى آخر ما تردده هذه ألأسطوانة يوميآ على الجماهير التي لا حول لها ولا قوة , وما عليها إلا السمع والطاعة . إن قادة هذه الأنظمة الدكتاتورية إنما يتصرفون بإجراءاتهم هذه أيضآ ضد التعاليم الدينية التي يتبجحون الإلتزام بها , وهي لا تختلف عن إجراءات أية سياسة دكتاتورية تريد الإبقاء على تسلطها بالظلم والقهر والإجحاف . إن تسليط الظلم على ألآخرين هو إنتهاك لقيم ألعدالة التي نصت عليها القوانين الدينية والدنيوية على السواء . وإن هؤلاء الحكام بتنكرهم لهذه التعاليم التي تضمن العدالة للمواطن , بغض النظر عن دينه أو منهجه في الحياة , يتصرفون تصرفآ لا يتناقض مع القيم الدنيوية لإنسان القرن الحادي والعشرين فقط , بل وللقيم الدينية التي يتبجحون بإلتزامهم بها . فالآية القرآنية الكريمة 42 من سورة الشورى نتص على " إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في ألأرض بغير الحق أُولئك لهم عذاب أليم " فالعدالة في مفهوم الأنظمة الشمولية الإستبدادية التي يُعامَل المواطن فيها حسب المقاسات التي يضعها شخص واحد غير مُنتخَب هي التي تلبي رغبات ذلك الشحص وتنسجم مع تصوراته التي غالبآ ما يضعها في قوالب سياسية كتلك التي عانى منها الشعب العراقي لأربعة عقود من الزمن تحت المسميات النضالية تارة والإستحقاقات الثورية تارة أخرى , وهي نفسها التي يعاني منها الشعب الإيراني اليوم تحت الواجهات الدينية التي يبلورها المرشد ألأعلى لتكون كلمته هي القانون بذاته وإجراءاته هي العدالة بكاملها ، وكذلك الإجراءات التي يعاني منها شعب الجزيرة العربية في السعودية الذي أُبتلي بتسلط العوائل البدوية على أموره . إن تصرفآ دكتاتوريآ كهذا لا ينسجم والتعاليم الإلاهية التي تدعو إلى نشر العدالة بين المواطنين تحقيقآ للتعاليم الدينية وليس للرغبات الفردية , وهذا ما ينص عليه القرآن الكريم حينما يقول " يا أيها ألذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا ألله إن ألله خبير بما تعملون " ( ألآية 8 من سورة المائدة )
 .

هذه بعض ممارسات الدولة الدينية التي يصورها فقهاء الإسلاميين وكأنها مستمدة من أسس الدين الإسلامي , فيسوقون هذه الأنظمة وكأنها تمثل تحقيق الإرادة الإلاهية وإستمرارآ للفترة التي رافقت نشر الرسالة ألإسلامية . إلا أن أي مراقب محايد له أبسط ألإطلاع على تعاليم الدين ألإسلامي لا يستطيع أن يجد أية صلة بين الممارسات الدكتاتورية الفردية� للدولة الدينية وبين تعاليم الرسالة ألإسلامية التي لا تبيح أي من هذه الممارسات.ولأن الإسلاميين لا يجدون ضالتهم بالتحكم برقاب الناس في اسس الدولة المدنية الحديثة لذلك فهم يختلقون التخريجات البائسة للوقوف بوجه التيار الحضاري الداعي لهذه الدولة . أما تهريجهم الذي يتكرر كالإسطوانة المشروخة بكفر وإلحاد الدولة المدنية الحديثة فقد اصبح يشكل مهزلة يتندر بها كل ذي بصر وبصيرة . وللحديث صلة

الدكتور صادق إطيمش

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة