كاظم حبيب هل وقع حكام العراق على وثيقة شرف جديدة, أم إنها محاولة جديدة للضحك على ذقون الشعب!

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

غريب وعجيب أمر ساسة العراق الجدد الذين يحتلون السلطات الثلاث في الدولة العراقية الهشة والمشوهة فكراً وممارسة ويتصرفون بها وكأنها ملك صرف (طابو) مسجل بأسمائهم وأسماء أبنائهم وأحفادهم وأقاربهم، فهم كما عبر عن ذلك رئيس وزراء هذه الدولة المشوهة نوري المالكي "أخذناها بعد ما ننطيها"! فهم لا يتحدثون بشفافية وصراحة حتى لو جزئية للناس ليعبروا عن نواياهم وما يسعون إليه، بل يمارسون ما يسعون إليه مباشرة وبخلاف ما يطرحونه علناً. فهم ضد العنصرية والشوفينية والطائفية، ولكن ماذا تجسد سياساتهم ومواقفهم الفعلية وما يجري على أرض العراق في مختلف أنحاء العراق وآخرها ما يحصل لأهل السنة في البصرة والناصرية، ومنها ما يحصل لآل السعدون، أو المفخخات والاغتيالات التي لا يمكن أن تحصل دون حماية معينة أياً كان الحامي لهذه التنظيمات الإجرامية من القوى الحاكمة والحلفاء في الدول المجاورة. الشعب شاهد على ما يجري، ولكن هذا الشعب مخدر بالطائفية المقيتة وبأولئك الذين يسروا للطائفيين بأحزابهم وأيديولوجياتهم الطائفية أخذ السلطة، سواء أكانت الإدارة الأمريكية أم المراجع والمؤسسات الدينية.

كم مرة وقع هؤلاء الحكام على مذكرات تفاهم واتفاقات خلال السنوات العشر المنصرمة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما جرى في طهران وأربيل، وكم من مرة أخلَّوا مباشرة ودون حياء، ولم يكن حبر تواقيعهم قد جف، بتلك الاتفاقات والتفاهمات. فهم شركاء في ضرب كلمة الشرف عرض الحائط، إذ لم تعد تواقيعهم تستحق أي اعتبار، وما يوقعونه في الساعة الواحدة ظهراً ينسف في الساعة الواحدة والدقيقة الواحدة، إذ الأعمال بالنيات والنيات غير صادقة وغير أمينة وغير ...!
ماذا تعني وثيقة شرف لسياسيي العراق الراهن؟ ليس لهذه الوثيقة أي قيمة اعتبارية لأن موقيعها ينسون مضامينها وما وقعوا عليه حال خروجهم من تلك الاجتماعات وفي سرهم جميعاً دون استثناء ينزلون اللعنات على بعضهم ويتهمون بعضهم الآخر بكل ما أنزل الله من تهم باطلة وصحيحة على إبليس.
العراق الراهن يعيش محنة هؤلاء السياسيين الجدد وأغلبهم من أصحاب النعمة الحديثة ممن عثروا على كنز العراق النفطي فبدأوا يغرفون منه ما يشاؤون دون حسيب أو رقيب, والكثير منهم من الفئات الاجتماعية الهامشية أو الرثة التي كانت تعاني من علل اجتماعية ونفسية قاتلة بدأت تصدر عللها تلك إلى المجتمع وتسوقه إلى مستنقع الصراع القومي والديني والطائفي. إنها المحنة الحقيقية التي يعاني منها المجتمع العراقي.
أأروي لكم أيها السياسيون العراقيون، يا من وقعتم على هذه الوثيقة وغيرها، عن حكاية كتبت للأطفال ولكنها تليق بأغلب سياسيي العراق: تقول الحكاية إن أخوين ورِثا ثروة أبيهم الذي مات لتوه. جلسا ليتقاسما التركة بينهما. اقترح الأخر الأكبر أن تبقى الثروة لأحدهما بعد خوض سباق سباحة بينهما والرابح هو الذي تعود له ثروة أبيه. والشرط هو أن يعبرا صباح اليوم التالي دون تناول فطور الصباح نهر المدينة من جهتهم إلى الجهة الأخرى سباحة. وافق الأخ الأصغر على اقتراح أخيه.
الأخ الكبير الذي يعيش مع عائلته تناول فطوراً أعدته له زوجته، وجاء إلى الموعد قوياً قادراً على السباحة مسافة طويلة، وكان هذا أول إخلال بالشرط من جانب الأخ الأكبر وكان هو صاحب الاقتراح. في حين التزم الأخ الأصغر بالشرط ولم يتناول الفطور صباحاً. لم يبلغ الأخ الكبير أخيه الأصغر بما حصل. نزلا إلى النهر وانتهيا بفوز الأخ الكبير. فتسلم كل الثروة التي ورثاها عن أبيهما. قرر الأخ الصغير مغادرة المدينة ليعمل ويعيش في مكان آخر. حمل عليجته (حقيبة ظهر) وضع بها طعاما وشرابا واتجه صوب مدينة مجاورة. وبعد سير طويل أراد أن يستريح قليلاً فجلس تحت ظل شجرة وارفة وتناول بعض طعامه وشرب بعض مائه ثم نام قليلا. وفي المساء سمع صوت طير من على الشجرة يناديه باسمه، فنهض من نومه واستمع للطير العجيب القادر على الكلام. قال له الطير قم الآن وسر بنفس اتجاه طيراني وسأدلك على تل تصعد إلى قمته. وفي أعلى القمة ستجد حفرة مليئة بالذهب والمجوهرات النفيسة. املأ عليجتك بما تريد شريطة أن لا تبقى في الحفرة حين تشرق الشمس إذ إن شروق الشمس يعني ذوبان الذهب والمجوهرات وموتك الحتمي داخل الحفرة. استمع الصبي واقتنع بما قال الطير ونفذ ما أراد. سار خلف الطير وصعد على قمتها وشاهد العجب. حفرة مليئة بالذهب والبلاتين والمجوهرات النفيسة. بدأ يضع في عليجته ما يستطيع حمله من الذهب والبلاتين والمجوهرات. وقبل أن تشرق الشمس ترك الحفرة وتوجه صوب مدينته التي تركها دون ثروة ولا بيت يسكن فيه. وحال وصوله اشترى قطعة أرض وجلب لها معماريا وعمالا ليبنوا له بيتاً جميلاً. عرف الناس وكذلك الأخ الكبير بما صار لإليه الأخ الأصغر من ثروة كبيرة. سارع الأخ الكبير إلى أخيه الأصغر ليستدرجه ويعرف منه كيف حصل على هذه الثروة. ذكر الأخ الصغير لأخيه مباشرة ما حصل وتحدث له عن الطير العجيب وأخبره بحديث الطير والشرط الذي التزم به لكي لا يحترق بذوبان الذهب عند شروق الشمس.
فرح الأخ الكبير بالرواية وحمل في صباح اليوم التالي، بعد أن صنعت له زوجته عليجة كبيرة ليحمل بها كمية أكبر من الذهب والمجوهرات، وسار بالاتجاه الذي سار فيه الأخ الأصغر. وصل إلى الشجرة ذاتها فأكل وشرب قليلاً ونام تحت ذات الشجرة, ثم سمع في نومه صوت الطير فنهض واستمع إلى حديث الطير يخبره بما حدثه به أخوه. فحمل عليجته وأفرغ كل ما فيها لكي يستطيع حمل أكبر كمية من الذهب والمجوهرات وسار باتجاه طيران الطير. وصل إلى التل وارتقى إلى قمتها ورأى الحفرة المليئة بالذهب والمجوهرات. نبهه الطير العجيب مرة أخرى بضرورة ترك الحفرة قبل شروق الشمس. ضحك الأخ الكبير في سره وأكد له بأنه سيلتزم بالنصيحة. نزل إلى الحفرة وأخذ يغرف منها ما فيها من ذهب وبلاتين ومجوهرات وليرات ولم يتعب من ذلك. حتى بدأ الفجر يطل. فقال بصوب مسموع فليذهب أخي والطير إلى الجحيم فهما لا يريدان أن أحمل أكبر كمية ممكنة من هذه الثروة النفيسة فهدداني بالذوبان. الشمس لا تذيب الذهب والمجوهرات أبداً وواصل الغرف بيديه حتى أشرقت الشمس ولم يجد الأخ الأكبر نفسه إلا وهو يغوص شيئا فشيئاً في الحفرة ولم يستطع الإمساك بأي شيء ينجيه من الغرق في الذهب الذي بدأ يذوب بسرعة فائقة. غرق الأخ الكبير في داخل الحفرة ومات فيها وغطاه الذهب السائل ولم يعد إلى بيته ثانية. أدرك الأخ الصغير أن أخيه قد طمع في كنز الذهب والمجوهرات ولم يستمع لنصيحة الطير وتجربته فمات في الحفرة.
وهكذا كان، وهكذا هي الشمس تعطف على الناس الطيبين غير المخادعين وتوفر لهم الدفء والحنان والأمل، ولكنها تكشف عن الطماعين والنهابين والمخادعين بنورها وتحرقهم بشدة حرارة أشعتها. وهكذا سيكون دور الشعب العراقي حين يعي ما يجري له ويبتعد عن الطائفية المقيتة المهيمنة على جل تفكيره، وعلينا أن نتذكر بأن العراقيين غالباً ما رددوا وسيرددون "الشمس طلعت على الحرامية وبانت أفعال النهيبية"! إذ إن هذا هو ما يجري اليوم بالعراق الحبيب المبتلى الذي سقط بأيدي من لا رحمة في قلوبهم ورفضوا الالتزام بالدستور عملياً الذي وضعوه هم أنفسهم، فكيف والحال مع وثيقة جل ما تسعى إليه هو الضحك على ذقون الشعب.
العراق يمتلك دستوراً، على نواقصه المعروفة، يعتبر ميثاق شرف أقرته الغالبية العراقية وعلى الجميع الالتزام به, فما حاجة البلاد إلى وثيقة شرف يوقع عليها أولئك الحكام الذين يفترض فيهم أن ينفذوا بنود الدستور ولم يلتزموا به بل شوهوه بقانون انتخابات ليضمن لهم "أخذناها بعد ما ننطيها" أو "جئنا لنبقى" على حد قول الدكتاتور الأهوج صدام حسين، إذ إن القولين لا يختلفان بالمعنى والمقصود.
ليس في هذه الوثيقة أي جانب إيجابي، فهي تريد كسب الوقت إلى حين الانتخابات وسوف تساهم بتصعيد الصراع الطائفي وصولاً إلى المزيد من الاصطفاف والاستقطاب الطائفيين ليساعدا على وصول الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي مزقت وحدة الشعب العراقي إلى مجلس النواب ثانية واستمرار الحكم بأيديهم وبدء عملية المخادعة والنهب والسلب لأموال الشعب ثانية وثالثة ورابعة ما دام نوري المالكي قد قالها "أخذناها بعد ما ننطيها".
ولكن الحكمة الشعبية لا مرد لها إذ تقول "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع"، خاصة إذا حاول الطيران بأكثر من طاقته وأبعد مما تسمح له قدرته، هذا ما يحصل الآن بالعراق من قبل رئيس الوزراء العراقي ومن لف لفه.
21/9/2013
كاظم حبيب

 

 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة