حقيقة الأسلاميين وواقعهم المُخزي القسم الثالث ... الدكتور صادق إطيمش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image



لقد ذهب الكثير من الإسلاميين إلى وجوب تطبيق عقوبة الموت على المسلم الذي يترك الدين الإسلامي إلى دين آخر او المسلم الذي يترك الأديان جميعاً ويصبح لادينياً . فبالنسبة للاديني فإن المسألة واضحة لدى الإسلامييين إذ تنطبق على هذا الإنسان صفة الكافر او الملحد الذي يوجب فقهاؤهم قتله إذا لم يستجب لدعوة الإسلام ، فالقتل عندهم اسهل من شرب الماء ، وهذا ما نراه في تصرفات العصابات الإرهابية التكفيرية التي تعبث بأرواح الناس التي لا يحق إلا لخالقها سلبها من صاحبها كما نصت عليه الشرائع الدينية، إلا ان هذا المبدأ لا محل له في عقولهم الضامرة وافكارهم المتخلفة .
ما يهمنا هو مناقشة عقوبة الموت التي يفرضها الإسلاميون على المسلم الذي تراجع عن الإيمان بالإسلام . وقبل ان نتطرق إلى المعطيات التي يبني عليها فقهاء الإسلاميين حكمهم هذا لابد لنا من الإشارة إلى ان هناك الكثير من فقهاء المسلمين الذين يرفضون هذا الحكم ولا يجدون له إنسجاماً مع التعاليم الإسلامية الحقة فيما يخص التدين . ومن الممكن تقسيم هؤلاء الفقهاء الذين إختلفت آراؤهم ايضاً في اسباب رفض قتل المرتد إلى ما يلي :
أولاً : الفقهاء الذين يرون عقوبة القتل على المرتد منافية للحرية الشخصية التي أقرها القرآن ويستندون في ذلك على الآية 256 من سورة البقرة التي تنص على " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"
ثانياً : الفقهاء الذين رفضو حد الردة والذين إعتبروا الحديث الوارد فيه حديثاً ليس متواتراً وبالتالي ضعيفاً لا يمكن الأخذ به . إضافة إلى ان هؤلاء الفقهاء لا يجدون عقوبة للمرتد ينص عليها القرآن الكريم .
ثالثاً : الفقهاء الذين جعلوا تطبيق هذا الحد منوطاً بالحاكم ولم يروا فيه الإلزام الشرعي .
أما فقهاء الإسلاميين الذين أصروا على قتل المرتد فإنهم لا يستندون على القرآن في حكمهم هذا وإنما على السنة النبوية الشريفة التي يجدون فيها ضالتهم في الحديث المنسوب إلى النبي محمد (ص) والذي يقول : " مَن بدل دينه فأقتلوه " . وهذا هو ما يهمنا هنا والذي نرغب بمناقشته مع هؤلاء الفقهاء .
من المعلوم للجميع بأن مصادر الفقه الإسلامي الأساسية تعتمد على اربعة ركائز مهمة وتتبعها ركائز ثانوية اخرى . اما الركائز الأساسية المهمة فهي ، القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والقياس والإجماع . وإنطلاقاً من هذا التصنيف فإن الفقه الإسلامي بصورة عامة ينطلق من التعاليم القرآنية باعتبارها المصدر الأساسي والأول له . اما السنة النبوية التي تشمل أحاديث النبي ايضاً فما هي إلا شارحة ومفصلة وموضحة للنص القرآني إستناداً إلى الآية القرآنية 44 من سورة النحل : " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " وهذا يعني إننا هنا امام تعدد في مصادر الفقه الإسلامي يحتل كل منها موقعاً بحيث يجري التعامل معها حسب مفهوم الأهم اولاً ثم المهم وهكذا . إن ذلك يعني ان القرآن هو المصدر الرئيسي . وبما إن هذا المصدر الرئيسي حمال اوجه ولا يفقه كنهه إلا مَن أؤتي من العلم كثيراً فإننا والحالة هذه لا نجد افضل من متلقي القرآن لشرحه وتبيان مكنون معانيه وتوضيح المقصود منها بحيث يتم سلوك الطريق الصحيح المفضي إلى تطبيق التعاليم القرآنية على احسن وجه . وعلى هذا الأساس فإنه من المفروض هنا ان يجري هذا التوضيح على هذا النص القرآني الموجود بين ايدينا والذي تلقاه حامل الرسالة الإسلامية دون زيادة او نقصان . إذ ان اية زيادة او نقصان في النص القرآني الموجود بين ايدينا الآن سوف يخل بمضمون الآية القرآنية 9 من سورة الحجر " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " . وعلى هذا الأساس يمكن إعتبار اي حكم لم ينص عليه القرآن حكماً بشرياً قد لا يتفق عليه كل الفقهاء او حتى التابعين وبالتالي فإنه يحتمل الخطأ والصواب كما انه لا يشكل إلزاماً شرعياً بنفس الوقت . فوجود حكم قتل المرتد في شريعة الإسلاميين الذي يستند على وجود حديث نبوي بهذا الصدد لا يصمد امام الحقائق التالية :
أولاً : إن مَن يستند على الحديث القائل :" مَن بدل دينه فاقتلوه " يفسر هذا الإستناد باعتباره جاء عن طريق الإجماع الذي اجمعت عليه الأمة الإسلامية على صحة هذا الحديث . وسؤالنا هو : متى أجمعت الأمة الإسلامية بكاملها على تطبيق مضمون هذا الحديث على المرتد ؟ إن مَن " أجمع " على ذلك في فترة تاريخية سالفة هم بعض الفقهاء وهم من البشر المعرضين في آراءهم للخطأ والصواب ، أللهم إلا إذا اعتبر الإسلاميون فقهاءهم من المعصومين .
ثانياً : الإجماع حتى ولو أُخذ به فإنما يؤخذ به في حالة عدم وجود نص قرآني في أمر ما حيث ان المبدأ الفقهي السائد ينطلق من مبدأ " لا جدال في النص " هذا اولاً ، وثانياًعدم وجود حديث نبوي متواتر في الأمر ، وعلى هذا الأساس يكون الإجماع ، إن وُجد ،إجتهاد بشري خاضع للخطأ والصواب ومَن يتخذه هو بعض الفقهاء الذين يعتبرون انفسهم ممثلين لكل الأمة الإسلامية ومثل هذا التصرف اثبت خطأه على مر العصور. وفقهاء الإسلاميين يناقضون انفسهم هنا حينما يستندون على الإجماع في هذا الأمر . إذ ان من شروط الإجماع عدم وجود نص واضح لا في مصدر الفقه الأول ، القرآن ، ولا في المصدر الثاني ، السنة .وهذا يعني انهم لجأوا إلى الإجماع لغياب النص في المصدرين الأول والثاني . فكيف يؤولون الأمر إذن بوجود حديث نبوي في امر المرتد . فلو كان هذا الحديث موجود فعلاً فلا داعي للإجماع هنا .
ثالثاً : يُصنف الإجماع في هذه الحالة على انه مواز للنص القرآني . حيث يتحول قرار الإجماع إلى أمر او حد لم يأت به المصدر الأول والأساسي للإسلام ألا وهو القرآن . ووضع الإجماع في هذا الموضع المساوي للقرآن لا يتفق مع منزلة القرآن لدى المسلمين عامة وفقهاء المسلمين خاصة .
رابعاً: وهذا هو الأمر المهم الذي يتعلق بمدى صحة هذا الحديث الذي يرفضه البعض باعتبار ان النبي محمد ( ص) وهو العارف بكل تفاصيل القرآن لا يمكنه ان يأتي بإضافة جديدة إلى النص الذي يعتبر لا ريب فيه ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وعالجها ، كما يفسر ذلك فقهاء المسلمين جميعاً . فلماذا إذن يتجاوز فقهاء الإسلاميين فقهاء المسلمين الذين لا يرون في صاحب الرسالة بانه قد اضاف إلى القرآن احكاماً ليست موجودة في نصوصه ؟
لقد تطرق النص القرآني إلى الردة والمرتد عن الدين في اكثر من عشرة مواقع . ولم يذكر في اي من هذه المواقع اية عقوبة دنيوية على المرتد الذي يصر على الردة لثلاث مرات يُطلب فيها منه العودة إلى الدين حسب منطوق الآية 137 من سورة النساء " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً " اوهنا ايضاً لم يحدد النص لقرآني مدة هذه المرات الثلاث التي حددها فقهاء الإسلاميين بثلاثة ايام . فإن لم يرجع إلى دينه فإن النص القرآني يقول يموت وهو كافر حسب نص الآية 56 من سورة البقرة " وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ." ولم يقل يُقتل ، بل يموت ميتة طبيعية وهو كافر يتلقى عقوبة الكفر من خالقه يوم الحساب وليس من اي شخص آخر في الحياة الدنيا.
في الحقيقة ان ما يطبقه فقهاء الإسلاميين من احكام تدور معظمها حول القتل وإنهاء الآخر خاصة من قبل اولئك الفقهاء الذين ركبوا الدين كواسطة لنقلهم إلى كراسي الحكم هي احكام خاصة بهم وبمدى تعمقهم في امور دينهم . لقد طبعوا على جباههم وأفئدتهم ثقافة القتل وعدم التسامح وإعلان الحرب على الآخرين وتقسيم العالم إلى دار حرب ودار سلام وأحقية وجودهم وحدهم في هذا العالم الذي اراد له الله ان يكون مختلفاً إلا انه يعيش متسالماً . كما ان الدين الذين يدعون الإنتساب إليه يحثهم على السلم مع الآخرين .وهنا لابد لنا من العودة مجدداً إلى أهمية المرحلة المكية في التاريخ الإسلامي . ففي هذه المرحلة ارسى الإسلام مبادءه الأساسية والتي لم يكن فيها اي إشارة إلى العنف وإنهاء الآخر . هذه المبادئ التي يجب على المسلمين إتباعها الآن إذ انها عبرت عن حقيقة مبادئ الإسلام. أما المرحلة المدنية فكانت مرحلة الدفاع عن هذه المبادئ في زمن ساد فيه منطق القوة والغزو والصراع القبلي في كل انحاء الجزيرة العربية . ومن هنا جاءت آيات الحرب والإقتتال التي كانت الوسيلة الوحيدة لمواصلة الحياة في ذلك المجتمع . ولم تكن تتوفلر للإسلام غير هذه الوسيلة للدفاع عن نفسه ومبادءه . فلم تكن هناك وسائل إعلام او فضائيات او حوارات كان من الممكن إستعمالها لنشر الدعوة والدفاع عنها، ومع ذلك فقد دعى القرآن إلى الحوار حتى في تلك الفترة حينما قال " وجادلهم بالتي هي احسن " . اما الآن فقد إنتهى هذا العهد واصبح للإسلام والمسلمين من الوسائل التي يدافعون بها عن دينهم ومعتقداتهم ما يحتم عليهم إعادة الحياة للتعاليم المكية والدفاع عنها بكل الطرق الحديثة التي وفرها العلم الحديث لهم . هذا بالإضافة إلى ان عدد المسلمين قد بلغ المليار ونصف إنسان تقريباً من المفروض توجيههم نحو خدمة الإنسانية لا التصدي لها ومحاربتها ، فهذا الطريق طريق شائك وعالم اليوم لا يحترم سالكيه ، كما انه لا يساهم في تعامل المسلمين مع عالم اليوم تعاملاً يؤدي إلى مساهمتهم في خلق الحضارة الإنسانية لا التسكع وراءها والعيش كمستهلكين فقط على إنتاجها في مختلف مجالات الحياة ، وهذا ما نراه اليوم في المجتمعات الإسلامية المختلفة . إلا ان المهم في الأمر والسؤال المتعلق به هو كيف يستطيع فقهاء يعيشون هذا العصر الذي اصبحت فيه حقوق الإنسان هي السمة البارزة له ان يتجاوزوا على حياة إنسان ببرودة دم لمجرد انه خالفهم في العقيدة ؟ وهل ان هذا الإختلاف ينهي إنسانية هذا الإنسان حتى يجري التخلص منه دون النظر إلى التبعات التي تتعلق بقتل هذا الإنسان سواءً كانت تبعات إجتماعية كالعائلة والأطفال مثلاً الذين يتعرضون ايضاً وبشكل جماعي إلى تبعات هذا العمل الذي يعد جريمة في القوانين السماوية والوضعية . وهل ان الدين الإسلامي بهذه الدرجة من ضعف الحجة والإفتقار إلى قوة المنطق التي يمكنه بها إقناع المخالفين فيلجأ لتطبيق منطق القوة ولا يستطيع إقناع المخالفين بالتي هي احسن التي نص عليها القرآن الكريم ؟
وهل ان الدين الذي يشكل القتل ونبذ الآخر او الذي يتم من خلال تطبيقه تفضيل المسلمين على غيرهم في كافة مفاصل الحياة الإجتماعية في المجتمع الواحد ، كما يدعوا لذلك فقهاء الإسلاميين ، دين يمكن ان تُقنع به مَن هو ليس عليه ويريد الإستزادة من مبادءه وأصوله التي يرى فيها إنسان العصر الحديث أول ما يرى مدى إحترامها للإنسان وحريته الشخصية التي تنظمها قوانين يحتاجها المجتمع اليوم بخلاف المجتمعات السابقة الي إعتمدت في تنظيم حياتها على اسس إقتصادية واجتماعية وقضائية غير تلك الأسس التي تعيشها مجتمعات اليوم .
النصيحة التي لابد من توجيهها لفقهاء الإسلاميين هي ان يتفكروا قليلاً إلى اين هم سائرون بالإسلام واهله في هذا العصر الذي لا يمكن ان يسود فيه غير العلم ودولة القانون وحقوق الإنسان ، اي إنسان .
وللحديث صلة
الدكتور صادق إطيمش

 


 

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة