كاظم حبيب لماذا يُعقد مؤتمر أصدقاء برطِّلة بالعراق؟

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

منذ فترة نشر أخ كريم مقالاً في موقع إلكتروني يشكك فيه بأهداف عقد مؤتمر أصدقاء برطلِّة واعتبار هذا المؤتمر مؤامرة ضد هذه الناحية وأهلها وضد المسيحيين عموماً. وقد كان هذا الاتهام مفاجأة غير سارة لي وللأخوة الذين تطوعوا دفاعاً عن مصالح مسيحيي العراق ومناطق سكناهم التاريخية، لأن هذا الاتهام جاء في أعقاب نشري مقالاً حول أهداف ومهمات مؤتمر أصدقاء برطلة في المرحلة الراهنة وفي المستقبل، كما نشر أخوة أخرون مقالات عديدة حول أهمية وضرورة عقد هذا المؤتمر, ومنهم السيد الدكتور صادق اطيمش والأستاذ زهير كاظم عبود والدكتور تيسير الآلوسي على سبيل المثال لا الحصر. لم يكن اختيار برطلة إجراءً عبثياً أو عفوياً من جانب المبادرين للدعوة لعقد هذا المؤتمر، بل جاء نتيجة ما وقع في هذه المنطقة ومناطق أخرى بالعراق من اضطهاد متنوع ضد أتباع الديانة المسيحية. وبالتالي فناحية برطلِّة تمثل رمزاً للنضال في سبيل الدفاع عنها وعن المناطق الأخرى في محافظة الموصل التي تتعرض للتجاوز والتغيير الديموغرافي، ومنها الحمدانية وتلكيف وتل اسقف وغيرها وعموم سهل نينوى.

أدرك تماماً أن هناك خلافات بين سياسيي المسيحيين بالعراق وخارجه حول تسميات القومية أو القوميات التي ينتمي إليها مسيحيو العراق. وأدرك أن هذه الخلافات تؤثر في غالب الأحيان سلبياً على مصالح ووحدة موقف المسحيين بالعراق وحتى على تمثيلهم في المجلس النيابي والمجالس المحلية. وهو أمر يلحق الضرر بالمسيحيين ومصالحهم في بلد يئن تحت وطأة الطائفية ومحاصصاتها المشينة.

ولكني أدرك أيضاً بأن مسيحيي العراق قد تعرضوا خلال السنوات العشر المنصرمة إلى الكثير من الإرهاب والتهديد والتهجير والقتل، سواء حصل ذلك بالبصرة أم الموصل أم بغداد أم بمدن أخرى عراقية، كما تعرضت كنائسهم ودورهم إلى الهجوم وإشعال الحرائق والتدمير، وليس أدل على ذلك إشعال النيران والمتفجرات في كنيسة سيدة النجاة ببغداد في 31/تشرين الثاني 2010 التي وقع من جراء ذلك مئات القتلى والجرحى والمعوقين مع تدمير فعلي للكنيسة ذاتها, أو إلى قتل القساوسة كما حصل بالنسبة إلى القساوسة بولص إسكندر وباسيل جورج ومنذر الدير ورغيد كني ومعه ثلاثة من الشماسة بالموصل. وأعرف تماماً أن عمليات كثيرة وقعت خلال نصف القرن المنصرم (1963-2013) نتج عنه تغيير ديموغرافي لمناطق سكن المسيحيين ببغداد والموصل على نحو خاص، وأن هذه المحاولات جارية على قدم وساق في الوقت الحاضر، إضافة إلى تجاوزات على صعيد العراق عموماً.

كلنا يعرف بأن هجرة المسيحيين إلى خارج العراق وقعت خلال فترة الدكتاتور صدام حسين. ولم يكن السبب ديني بل كان سياسياً بسبب مواقف الوطنيين المسيحيين من الدكتاتورية الغاشمة. ولكن هجرة هذه الفترة ناجمة عن مواقف دينية تمييزية متطرفة ومعادية لأتباع بقية الديانات والمذاهب، بل وأحياناً ضد اتباع الدين المسيحي. لقد تقلصت نسبة مسيحيي العراق من 5% من مجموع الشعب العراقي إلى حوالي 2% فقط. وهو أمر مخيف ولا يبشر بالخير للموازئيك العراقي الجميل. والخشية أن العراق سيفقد المسيحيين كما فقد قبل ذاك يهود العراق ومنذ أكثر من ستة عقود. لقد لعب المسيحيون دوراً ثقافياً وحضارياً كبيراً على امتداد تاريخ العراق والآثار التي تكتشف في محافظات الوسط مثل كربلاء والنجف وغيرها من المدن العراقية تؤكد هذه الحقيقة الناصعة والتي لا نريد أن تغيب عن أذهان الشعب العراقي والعالم. لقد تحدثت مع قساوسة من الكنيسة البروتستانتية وكذلك مع القساوسة الكاثوليك رجوتهم أن لا يندفعوا بدفع المسيحيين للهجرة من العراق، بل يفترض أن نحافظ على هذا المكون الإنساني بالعراق ذاته، وكان رد الفعل إيجابياً بهذا الصدد.

إن اقتراح عقد مؤتمر أصدقاء برطلِّة جاء متأخراً بالقياس لما حصل حتى الآن من عمليات تغيير ديموغرافية وتجاوزات ضد مناطق المسيحيين بالعراق، ولكن حصوله ولو متأخراً أفضل من عدم عقده دفاعاً عن مناطقهم واستعادتها على وفق قرار المحكمة الاتحادية الصادر مؤخراً بهذا الصدد. علماً بأن هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب بالعراق قد تبنت بقوة قضية المسيحيين ونشرت الكثير من البيانات والاحتجاجات حول ما يتعرض له المسيحيون بالعراق، كما إن المؤتمر الأول للهيئة قد تبنى قضايا المسيحيين بوضوح كبير.

لقد تجنبت اللجنة التحضيرية العليا المشرفة على عقد مؤتمر أصدقاء برطلِّة, والتي أتشرف مهمة منسقها مع نخبة من الشخصيات العراقية الديمقراطية المعروفة بدفاعها عن حرية الرأي والعقيدة وعن مبادئ حقوق الإنسان، التطرق إلى قومية واحدة أو قوميات، سواء في صفوف مسيحيي العراق سواء بوع فوارز بينها أم بدونها, وركزت على ذكر الدين الذي يجمع كل العراقيات والعراقيين من اتباع الديانة المسيحية. إن هذا الموقف يجعل اللجنة ومؤتمرها على الحياد بشأن الخلافات السياسية ولا يوقعهما بمطب في غنى عنه من جهة، ويساعد على جمع كلمة المسيحيين حول هذه القضية الحياتية بالنسبة لهم من جهة أخرى. كما أكدت اللجنة بما لا يقبل الشك بأن اللجنة ومؤتمرها مستقلون تمام الاستقلال في مواقفها وما يتخذ من قرارات في المؤتمر، كما لا تتبع اللجنة هذا الحزب أو ذاك أو هذه الجماعة أو تلك أو هذه الحكومة أو تلك.

أنا مثلاً لست بشيخ دين ولا متدين، ولكني أحمل هماً أساسياً هو حق الإنسان الكامل وحريته المطلقة باختيار الدين أو المذهب أو العقيدة أياً كانت أو الرأي السياسي والاجتماعي والثقافي أو الفكر الذي لا يتعارض مع حقوق الإنسان وحريته (أي أن لا يكون فكراً عرقياً –عنصرياً- أو شوفينياً أو فاشياً أو طائفياً أو يميز بين الأديان والمذاهب أو فكراً يميز ضد المرأة) ومع حق الإنسان في ممارسة طقوسه وعباداته شريطة أن لا تكون ذات طبيعة سادية مؤذية للإنسان وصحته وتهدد حياته بالخطر وتتجاوز على كرامته.

ونحن بالعراق نشاهد اعتداءات مريعة متواصلة ومتفاقمة منذ عقود حتى الآن على الإنسان وحقه في الحياة وحقوقه المدنية والإنسانية المشروعة وحقه في العمل والحياة الكريمة، إضافة إلى حرمانه من حقه في اختيار الدين او المذهب أو الفكر. واليوم نشهد قتلاً متواصلاً بالجملة والمفرد وتهديداً بالقتل والتهجير القسري من خلال التهديد بالقتل والخشية على الحياة وتهديماً للبيوت والحياة العامة والحياة الثقافية من جانب قوى الإرهاب الدموي بمختلف فصائلها وانتماءاتها، إضافة إلى عجز حقيقي للحكومة ورئيسها والوزارات التي أمرها بيديه عن توفير الحماية للشعب العراقي بكل أتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية، والهم الأساسي للحكومة الاتحادية هو توفير الحماية لسكنة المنطقة الخضراء وبعض دور السكن. أما الشعب فالإرهابيون فيتعرض إلى ضربات مميتة ومتواصلة من جانب قوى الإرهاب التي يتحكمون بضرباتهم في المكان والزمان ونوعية الضربة!!!

إن التهديد الذي يواجهه المسيحيون, والآن الشبكيون أيضاً، هو الذي دفع بي وبآخرين من الأصدقاء إلى تبني موضوع المسيحيين. ويمكن أن أتبنى عقد مؤتمر آخر دفاعاً عن الشبكيين وآخر عن الصابئة المندائيين أو البهائيين, وكذلك دفاعاً عن المسلمين سنة وشيعة، من عبث وإجرام الإرهابيين والطائفيين المقيتين. كما يمكن لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق، التي يترأس أمانتها العامة الأستاذ المناضل في سبيل حقوق الإنسان نهاد القاضي، أن تتبنى مؤتمراً جديداً بعد أن عقدت مؤتمرها الأول في نهاية العام 2012 في السليمانية بضيافة السيد رئيس الجمهورية جلال الطالباني والذي يستوجب التحضير له وتوفير ما هو ضروري لعقده وتعبئة الناس حوله.

لهذا أتمنى على من حاول الإساءة لهذا المؤتمر أن يفكر جيداً ويعيد النظر باتهاماته غير الموضوعية والواهمة، إذ ليس هناك من هدف آخر غير الدفاع عن مواطناتنا ومواطنينا المسيحيين وعن مناطق سكناهم التي بدأ البعض من شيوخ الدين أو من المسؤولين في أحزاب دينية السعي لشراء الأراضي أو السعي لتحويل جنسها بهدف السيطرة عليها وبناء مساجد عليها في قلب المناطق المسيحية وهو أمر غير مقبول ومرفوض في آن واحد وتجاوز لا يجوز السماح به بأي حال، وإن سكوت السلطة التنفيذية على ذلك أو مشاركة من هم في الحكومة بمثل هذه الأعمال يعتبر مخالفة صريحة للدستور العراقي.

16/9/2013 كاظم حبيب

 


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة