موقع الأقليات بين التهميش والعولمة ... شفان ابراهيم

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

لا يمكن إنكار أن حقيقة التدخل الإنساني تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية الخاصة ببقعة معينة من العالم, وأصبح وجودنا مع الأخر المختلف يعد لحظة حضارية حتمية تفرضها علينا مقدمات المصالح واقتراب المسافات, لذلك نجد أن المجتمعات الإنسية المتطورة والمتقدمة والحديثة تتجاوز حيثياتها الخاصة وتنظر الى المصالح العليا المشتركة بينها, بل أنها لا تدخر جهدا للعيش تحت مظلة التعايش السلمي لتقديم الأفضل لها جميعا, من دون أن يعني ذلك أبدا الذوبان في الآخرين, وانعدام الخصوصية والهوية القومية, كي نحافظ على الإنسانية من الضياع والسرقة من الإنسان, وعلوا الرغبة العميقة في الحفاظ على التعايش السلمي الإنساني من شبح الحروب والكوارث البشرية خاصة بعد أن ذاقت الإنسانية ويلات الحروب والدمار بسبب الحروب والكوارث التي كانت حقوق الأقليات والحقوق الثقافية من بين أبرز أسبابها, واليوم تعقدت العلاقات الاجتماعية والإنسية كثيرا, وتطورت وتنوعت, لذا لابد من ترسيخ ثقافة التعامل الإنساني مع الإنسان كانسان ذو قيمة اعتبارية بغض النظر عن التوجه العضوي أو ألاثني ولتفعيل هذا الأمر تحتاج الشعوب والحكومات الى تعميم ثقافة الحوار بينهم واستخدامها كسلاح لتلاقي الأفكار بدلا من تناطحها.


إن العولمة اليوم لم تعد تجبر الفرد على الانتظار لأيام وأسابيع وأشهر ليتعرف على ما يحصل في بقعة جغرافية أخرى من العالم, بل أن جميع التعاملات والتداولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, ونظرا لانتشار المعلومات فإنها أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية ولم تعد بالإمكان كبت ومنع وقمع حقوق الأقليات والتعددية السياسية لان التاريخ الاقتصادي اليوم هو الأهم وهو من يتحكم بالعالم السياسي كله, وما تحكم الشركات العابرة للقارات بالقرار في الدول المتعددة القوميات, و-تلك الدول- المقاطعة لأية تعددية, والمانعة لأي تنوع, والمتمتعة بثروات باطنية هائلة سوى خير دليل على ذلك, إن تلك الشركات تفرض شروطها في آلية التعامل مع تلك القوميات وتدعي الالتفاف الى الاضطهاد الممارس ضدهم وكل هم هذه الشركات هي مصالحها فقط, لكن مصلحة تلك الأقليات وصيانة ثقافاتها ولغتها وتراثها من الاستمرار في الاستباحة, يدفع بها إلى الاستنجاد بتلك الدول وتلك الشركات, لكي تتخلص من قهر ما يفترض بهم أن يكونوا شركاء في الوطن.


إن جدلية الداخل والخارج ما كان لها أن تكون لولا تعنت الأنظمة القمعية ولولا استمرارها في نسف أقلياتها, لذا فالالتزام بأخلاقيات التعامل مع الداخل وبمبادرات ذاتية خيرا من الفرض الخارجي, فمواضيع المواطنة وحقوق الأقليات والإدارة الذاتية والحكم الذاتي والفدرالية والمجتمع المدني والأنظمة الديمقراطية الليبرالية والدولة الوطنية كُلها أصبحت من المشاكل العابرة للقارات والعابرة للأوطان واستحالة حلها دون تعاون مجتمع متعدد الأطراف.

فجميع التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الجارية اليوم تكمن خلف قضية العولمة, بل أن الأمر تعدى ذلك الى التنبؤ بأن العولمة ستعيد تشكيل المجتمعات المعاصرة وهي من ستحدث التغيير البنيوي في النظام العالمي, إضافة الى أن هذا النظام العالمي وعبر العولمة ترتبط بفضاءات اجتماعية جديدة تأخذ فيها جميع الطبقات الاجتماعية والدول حالة الاندماج مع بعضها البعض بشكل ووتيرة متزايدة داخل الشبكة العالمية, وهذه الشبكة لن تستطيع التغاطي عن مظلومية شعب من الشعوب أو تتغاضى عن الاضطهاد الممارس ضد جماعات عرقية, وستبذل ما في وسعها للحد من هذه الظواهر حتى لو اضطرت للتدخل عسكريا.

لذا بات من ضرورات التصرف السياسي أن تقوم الدول المستبدة لشعوبها, أن تقدم واجباتها والتزاماتها تجاه شعوبها ورعاياها بدلاً من اضطهادها والرضوخ بعد ذلك لأوامر مفروضة علهيا من الخارج, ولابد من استبدال الفكر التقليدي لسياسة لدول القائمة على التهديد العسكري للأقليات بفكرة التعاون والتكامل على صعيد ومبدأ الدين لله والوطن للجميع بغية مواجهة الأخطار التي تهدد أي دولة وبغية زيادة الإنتاج والاستفادة من قدرات وطاقات الأقليات والدفع بالتنوع الثقافي نحو الأمام. أن الحالة الاقتصادية المتطورة اليوم تفرض نوعا من التعاون والتبادل التجاري وبناء علاقات اقتصادية قوية ومتينة مع دول أخرى للترويج أو البيع أو الشراء أو توفير ضرورات وخدمات اقتصادية وكل هذه الأمور التي تزيد من الناتج المادي القومي, لا يمكن له أن يتطور في ظل عقلية الهيمنة العقيمة والاقتصاد الهش

ولقد قُدمت العديد من التعريفات والدراسات والأبحاث عن التعددية الثقافية الليبرالية, لكن إحدى هذه التعاريف التي يمكن الركون إليها هي التي ترى أن على الحكومات والأنظمة أن لا تساند المجموعات المألوفة فقط سواء في الحقوق الاجتماعية أو المدنية أو السياسية أو غيرها, ولا يجوز أن تعتبرهم هم فقط مواطنون , وأن هذه الدول حتى يمكن وصفها بالدول الديمقراطية الليبرالية الدستورية لابد أن تتبنى حقوق الجماعات الخاصة المختلفة وتتبنى سياسات ترمي للاعتراف والتكيف مع الهويات والتطلعات المجزرة للجماعات العرقية الثقافية, وهذه التعددية كانت ردة فعل ضد الدول القومية التي قامت لترفض نماذج الدولة المتعددة الأطياف, والمقتصرة على حكم طيف واحد لباقي الأطياف,

فجاءت التعددية الثقافية الليبرالية كرد فعل على الأنظمة التي ترى ضمنياً وعلنياً على أنها من حق الجماعات الأكثرية أن تكون هي السائدة, وهي صاحبة القوى العظمية وصاحبة القرار, واستخدمت تلك الأنظمة كل ما في وسعها لإبراز هويتها ولغتها وتاريخها وثقافتها وآدابها وأساطيرها ودياناتها وما الى ذلك وفق أهواء قومجيتها, بل أن تلك الأنظمة أقدمت على كل تلك الحالات بحجة التعبير عن القومية الأصيلة للبلاد, واستعبدت أبناء باقي القوميات ونسفت حقوقهم واستبعدتهم من المشاركة في الحياة السياسية, ومنعتهم من تبوء المناصب داخل الدولة, ومنع بعضهم من التصويت أو الترشح مع فرض قيود عنصرية من خلال التطهير العرقي, وهيئت الأرضية لحدوث صراعات سياسية عرقية, وتطورت الأمور لتمدد تأثير هذه الصراعات داخل الدولة الى الدول المجاورة لتشكل كوارث بشرية وحدوث مضاعفات سلبية, وليس اقلها سلبية خلق جيل خارج عن القانون والعمل على زرع أفكار سلبية في عقولهم من قبيل تهريب السلاح والمخدرات والإرهاب وتأجيج الصراع العرقي تمهيداً لخلق تهديد للسلام والأمن العالمي.

وفي أغلب الدول التي تمتاز بثنائية الهوية القومية فإن أغلب الدول جاهدت كثيرا لتفضيل هوية على أخرى بل في نسف هذه الأخيرة, وقامت على قهر أية هوية بديلة عن هوية الأكثرية وغرزت مفاهيم مقيتة بلون وصبغة أحادية مثل لغة قومية, تاريخ قومي, أساطير قومية, أبطال قوميين, رموز قومية, أدب قومي, نظام تعليم قومي, وسائل أعلام قومية, نظام عسكري قومي, وديانة قومية, وأخضعت جميع الكيانات والجماعات العرقية التي ناهضت هذه الحالة الى مختلف أشكال الضغط والقسر والتجريد والتمييز ولأشكال مختلفة من الهندسة الديمغرافية والضغط على الجماعات العرقية لتشتيتهم ودعم استيطان أعضاء الجماعات المسيطرة في أراضي المجموعات العرقية والأقليات, ومصادرة أراضي السكان الأصليين أيضا في بعض الأحيان, لمن تسول له نفسه الخروج من عباءة السلطان والطاعة والولاء ويعارض سياسات عنصرية ضد الأقليات, ولم تكتف الدول الشمولية والأنظمة الاستبدادية بذلك فقط بل سعت الى ترسيم سياسات عنصرية أكثر كي توغل في نسف أية بارقة أمل لأية مفاجأة قد تحي حقوق الأقليات من جديد

لذلك كله فإن على الأقليات ولكي تضمن حقوقها بعد اليوم, أن تركن إلى حتمية الاعتراف الدستوري بهم, والتدليل الصريح والواضح لموضوع تقاسم السلطة, توزيع الثروات, الاعتراف الدستوري بلغتهم وتدريسها في مناطق تواجدهم كلغة رسمية, والاعتراف بالتنوع اللغوي والثقافي والتراثي, وافتتاح مراكز ثقافية خاصة بالأقليات, وغيرها من الأنماط المستحقة التي يركن إليها الحق العام, وهذا كله لن يحصل ما لم تكن الأقليات قريبة ومشاركة في قوى السلطة من جهة, وتتمتع بنية ثقافية ولغوية ومنهجية سواء أكانت قوية أم ضعيفة بسبب التدخل السلطوي, لكن أن كانت هذه الأقليات غير متميزة بلغة تميزها عن سواها, أو أبجدية لا تشبه أبجدية الدولة المجحفة بحقهم, فإنهم سيعانون كثيراً, إضافة الى عدم الاشتراك بلهجة ولغة وطريقة كتابة واحدة, فإنها من بين ابرز المعوقات التي تقف حائلة دون تحقيق الأهداف القومية المشروعة.

 


  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة