وماذا بعد العَشر ... ؟ الدكتور صادق إطيمش

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


في هذه الأيام تمر على وطننا وشعبنا الذكرى العاشرة للتاسع من نيسان عام 2003. ويستعيد العراقيون معها ذلك اليوم الذي ظل  وما زال يشكل مادة السجال بين الكثيرين من بنات وأبناء هذا الشعب الذي شهد في مثل هذا اليوم قبل عشر سنوات سقوط واحدة من أبشع الدكتاتوريات التي شهدها العالم الحديث . لقد ظل الشعب العراقي ينتظر سقوط دكتاتورية البعث لعقود من الزمن رافقت العقود الأربعة التي تسلطت فيها البعثفاشية المقيتة على مقدرات هذا الوطن وأهله . فكانت الحروب البعثية العبثية التي قتلت وشردت وعوقت الملايين . وكان الحصار الإقتصادي الذي تلوى تحته الفقراء وذوي الدخل المحدود من الناس في الوقت الذي كان به النظام وزبانيته ينعمون برغيد العيش  . وكانت حملات الإبادة والقتل والتهجير لكل من وقف ضد هذا الجنون الدكتاتوري، حتى وإن كانت وقفة سلمية . وكانت الإعدامات المتواصلة التي نالت حتى المقربين من حزب البعث الفاشي ، لا بل والعاملين ضمن قياداته من أولئك الذين تجرأوا على فتح أفواههم في حضرة السلطان ليذكروا ولو باستحياء غير ما يؤمن به سلطانهم الأهوج . ولم تكتف هذه الدكتاتورية السوداء بكل هذه الجرائم والمصائب التي أنزلتها على هامات العراقيين وأرضهم ، حتى دفعتها عنجهيتها إلى تسليم الوطن للإحتلال الأجنبي . الوطن الذي إستنزفته بكل شيئ إلا أنها لم تستطع الدفاع عنه ، بل حتى ولم تحاول ردع إحتلاله بتخليها عن ركوب رأس الجنون والبطولات الكاذبة التي لم تكن تنطلي على اهل العراق الذين ظلوا متفرجين على ما يجري في وطنهم دون ان تكون لهم القدرة الكافية على التصدي للإحتلال ودون ان تكون لهم الرغبة الحقة بالدفاع عن البعثفاشية التي اذاقتهم الأمرين لعقود عديدة من الزمن . وجاء التاسع من نيسان بوجهيه ، الضاحك  والباكي . الوجه الضاحك الذي أعلن عن سقوط الدكتاتورية وصنمها الكريه ، والوجه الباكي الذي ربط هذا السقوط باحتلال الوطن من قبل قوى أجنبية يقودها قطب السياسة الراسمالية العالمية ، الولايات المتحدة الأمريكية . ومع المعطيات المعقدة لهذا اليوم تبلور الشعار القائل " لا للإحتلال ، لا للدكتاتورية " .                     
فكيف نتعامل مع يوم كهذا يا ترى...؟ أنحتفل به على انه يوم تحرير العراق من أبشع دكتاتورية مقيته لم يكن بمقدور الشعب العراقي ان يتخلص منها إعتماداً على قواه الذانية التي ظل يوظفها لهذا الغرض سنين عديدة لم ير خلالها إلا المزيد من التنكيل والقتل والدمار واشتداد الهيمنة البعثفاشية والتخطيط الجدي لبقاءها لكي يتوارثها الأبناء بعد الآباء، ولها في ذلك أمثلة عربية وغير عربية يُحتذى بها...؟ . ولا نريد هنا التطرق إلى الأسباب الذاتية والموضوعية التي إرتبطت بنشاط المعارضة العراقية  آنذاك والتي بلورت عدم قدرتها هذه .   
أو نجعله يوماً يُذكِر بالإحتلال الذي سببه النظام الدكتاتوري المقبور ونعمل على جعل هذا اليوم كمنطلق لشحذ الهمة الوطنية التي ترفض الإحتلال مهما كانت صوره وأسبابه ، ودفع إستمرارية النضال الوطني الذي كانت القوى الوطنية العراقية قد وظفته بالأمس لمقارعة الدكتاتورية ، ليصب في مقارعة الإحتلال اليوم ... ؟
إنني ارى جواز الوجهين في مثل هذه المسألة المعقدة التي لا يمكن عزل الحلول الناجعة لها عن مجرى المسيرة التي شهدها وطننا في العقود الأربعة الماضية من تاريخه الحديث قبل سقوط دكتاتورية البعث . فحينما نحتفل بسقوط الدكتاتورية فإن هذا الشعور ينبع أساساً من الشعور بالغبن والحيف والإجحاف والملاحقات والتعذيب والإبعاد والتجسس والتنكيل والإنهاء الجسدي والتشريد وانتهاك الحرمات والسلب والنهب والإثراء الفاحش لذوي السلطة والحظوة في النظام المقبور والحرمان من كل ما يمكن ان يتمتع به الإنسان من حرية العيش والعمل والتفكير في المجتمعات الحديثة . إضافة إلى كل الإجراءات الدكتاتورية الأخرى التي مارستها البعثفاشية طيلة فترة تسلطها على البلاد والعباد . إن شعور مَن تعرضوا إلى هذه الويلات وذاقوا مرارتها ، بزوال ذلك كله في التاسع من نيسان ، ولم يعد لهذه الدكتاتورية من وجود ، لا يمكن أن يتجاهله اي إنسان عانى من كل أو بعض ذلك وكان يحلم بذلك اليوم الذي يرى فيه سقوط هذا النظام . وبما ان معظم الشعب العراقي وبمختلف توجهات قواه التي عملت على مقارعة الدكتاتورية قد تعرض لمثل هذا القمع الدكتاتوري ، فإنه يمكن القول بأن أكثرية الشعب العراقي ترى في هذا اليوم كيوم جاء بالخلاص الأبدي من هذا الكابوس ، وإنه يوم لا يمكن إلا ان نعتبره من الأيام الخالدة في تاريخ العراق الحديث الذي سجل فيه هذا التاريخ خلاص الشعب العراقي وقواه الوطنية من براثن الدكتاتورية وهمجيتها .
والوجه الثاني الذي نرى فيه إرتباط هذا اليوم بالإحتلال الذي تعرض له وطننا ، فذلك لا يمكن التغاضي عنه والمرور عليه مر الكرام إستناداً إلى ما يرى فيه البعض كتجسيد لما يُقال بان الغاية تبرر الواسطة.
ألإحتلال امر مرفوض ترفضه كل الشعوب . والشعب العراقي سبق له وأن اثبت في مختلف مراحل نضاله الوطني على انه مُقارع شجاع للإحتلال بكل صوره وأشكاله القديمة والحديثة . وإن سوح النضال الوطني التي خضبتها دماء شهداء مقاومة الإحتلال البريطاني عام 1920 ومعاهدة 1930 ومعاهدة بورتسموث عام 1948 والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ونصرة الشعب الفلسطيني ضد الإحتلال الصهيوني منذ أن تواجد هذا الإحتلال على الأرض الفلسطينية ولحد الآن  . إضافة إلى مقارعة  أعوان الإحتلال وإجراءاتهم القمعية في إنتفاضات الشعب العراقي في خمسينات القرن الماضي . كل ذلك يشكل خزيناً ثورياً لدى القوى الوطنية والتقدمية العراقية التي قادت هذه الإنتفاضات الجماهيرية وقدمت الكثير من الشهداء في سبيلها . إن كل ذلك يبلور ماهية وأهمية هذا الخزين الثوري الذي لا يأخذ الأمور على عواهنها مُغلفة بشعارات عاطفية آنية خالية من التجربة العلمية والعملية ومرتبطة بقوى لم يكن لها اي دور يُذكر لا في مقارعة ألإحتلال وأعوان الإحتلال سابقاً ولا بالوقوف ضد همجية البعثفاشية لاحقاً . إن التبجح بإطلاق الشعارات لمقاومة الإحتلال أمر لا يمكن أن ينحى منحى النضال الوطني الحق ، خاصة إذا إرتبطت مثل هذه الشعارات بقوى لم يكن بإمكانها ان تعمل على الساحة السياسية العراقية اليوم لولا هذا الإحتلال الذي رافق ولادتها بين أحضانه  ، حيث لم يكن لها أي وجود وطني نضالي مسبقاً . والدليل الأكيد على فقر الدم الوطني لهذه القوى المتبجحة هو لجوءها إلى الطريق الذي لا ترى غيره في مقاومة الإحتلال تحت الظروف التي يمر بها وطننا اليوم ألا وهو طريق المقاومة المسلحة التي دفعها إليه فقرها السياسي وسطحية أفكارها . ولابد لنا هنا من كشف زيف مثل هذه الإدعاءات التي  لا تصب في المصلحة الوطنية في هذا الوقت بالذات .
إذا كان العمل السياسي الناجح يستند إلى الإلمام  بالظروف الذاتية والموضوعوية التي يمارسها السياسي ، فإن إستنباط هذه الظروف على حقيقتها وتحليلها تحليلاً علمياً بعيداً عن العواطف والأهواء يعتبر بحد ذاته أمراً غاية في التعقيد والأهمية . إذ بدون ذلك لا يمكن التوصل إلى إتخاذ القرار الصائب على الساحة السياسية . وإذا ما عكسنا هذا الأمر على وطننا العراق وما مرَّ به من أزمات وحروب وانتفاضات كلفته الكثير الكثير من التضحيات البشرية والمادية والثقافية التي ستظل آثارها تسجل إهم مؤشرات العمل السياسي في هذا البلد ، فإن مشكلة الإحتلال وما تلاها من مشاكل أرهقت كاهل البلاد والعباد تتطلب من أية جهة تعمل على إنهاء هذا الإحتلال فعلاً لا قولاً التعامل مع المعطيات التالية :
أولاً : الوضع الوطني بصورة عامة ووضع الشعب العراقي بصورة خاصة ، وما هي الإمكانيات المتوفرة آنياً لدى الشعب والوطن للوقوف بوجه الإحتلال .
ثانياً : طبيعة الإحتلال وخاصة هذا الذي وقع على العراق والموقف الدولي منه .
ثالثاً : طبيعة السياسة التي يتبناها الإحتلال ، وإلى أي مدى .
رابعاً : الوضع الإقليمي ومدى تأثيره على الوضع العراقي بشكل عام وتأثره به سواءً فيما يتعلق بالإحتلال أصلاً أو ما نجم عن هذا الإحتلال .
إستناداً إلى ذلك كله ينبغي إتخاذ القرارات المتعلقة بهذا الأمر . إذ ان دراسة مستفيضة لما تقدم تجعلنا نؤكد بما لا يقبل الشك بان العمل السياسي والدبلوماسية الذكية تحت ظروفنا الراهنة هما الطريقان الأكثر حظاً بالنجاح لتحقيق تقدماً أكثر بإنهاء الإحتلال في العراق والعمل على الإسراع في وتائر التقدم الإقتصادي والسياسي والإجتماعي والثقافي في آن واحد .
لقد إزداد نعيق الطارئين على العمل السياسي والذين وقفوا من البدء ضد العملية السياسية ، مطالبين بجدولة جلاء قوات الإحتلال ورفعوا الشعارات التي لا يفهمونها هم انفسهم . وحينما توصلت العملية السياسية الجارية في العراق الآن إلى هذه الجدولة التي ربطت وجود قوات الإحتلال في وطننا بوقت معين ، إزداد نعيق هذه القوى مطالبة هذه المرة بالجلاء الفوري لقوات الإحتلال . وهذا ما يتمناه طبعاً كل عراقي ، إلا ان تحقيقه ما كان له ان يتم  تحت الظروف الذاتية والموضوعية التي يمر بها الوطن قبل عقد إتفاقية الجلاء وانطلاقاً من الإنهيار التام الذي خلفته البعثفاشية . لقد حققت العملية السياسية ، بالرغم من سيرها المتلكئ ونواقصها الكثيرة ، طبيعة وجود قوات الإحتلال بعد ان أخذت بنظر الإعتبار المعطيات الآنفة الذكر . فعملت على عقد إتفاقية الجلاء التي تم بموجبها جلاء القوات الأمريكية عن ارض وطننا . ولم يتم ذلك بسبب ما تدعيه القوى التي تتبجح بمقاومتها المسلحة للإحتلال ، إذ أن هذه القوى هي نفسها التي هربت أمام قوى الإحتلال بالأمس وفتحت له الطريق بعد أن لاذت بجحورها في الوقت الذي كانت تدير به أقوى جيوش المنطقة عُدة وعتاداً . فكيف تستطيع تحقيق المقاومة المجدية اليوم وهي في جحورها ؟ أللهم إلا إذا اعتبرت إزهاق ارواح الأبرياء من خلال الأعمال الإرهابية والجرائم التي تعرقل إنقاذ الوطن والشعب من تجاوز ما خربته البعثفاشية ، مقاومةً ضد الإحتلال . وبغض النظر عن طبيعة جلاء القوات الأمريكية عن ارض وطننا فعلياً او صورياً فإن النضال السياسي الدائب الذي تخوضه القوى المعادية لأي شكل من اشكال الإحتلال سيظل هو الحاسم في هذا المجال وتحت هذه الظروف التي يمر بها وطننا العراقي والمنطقة ككل .
وإن كان هناك ما يُسجل للتاسع من نيسان ، رغم كل المآسي التي رافقته وتلته ، فهو أنه فرز الغث عن السمين في العملية السياسية التي أفرزت من القوى التي بانت على حقيقتها فعلاً على انها ليست بمستوى الشعارات التي كانت تطرحها قبل التاسع من نيسان . لقد إتضح ذلك جلياً من خلال التمحور الطائفي والقومي المتعصب والنهج العشائري والتمزق المناطقي ، وكل ما تبنته القوى التي تقود العملية السياسية منذ التاسع من نيسان عام 2003 ولحد الآن والذي أدى إلى ضياع الهوية العراقية التي مزقتها هذه القوى علناً لتضع هوياتها هذه بدلاً عنها . إن الشعارات التي تبنتها هذه القوى والتي رافقت الفرحة الشعبية العظمى بالقضاء على الدكتاتورية البغيضة ونظامها السياسي ألأسود ، قد وجدت أصداءً لها لدى المجتمع العراقي بعد ان عملت أحزاب الإسلام السياسي والقوى القومية المتعصبة على تمزيقه إلى مسميات طائفية وقومية ومناطقية وعشائرية . فحافظت بسياستها الطائفية الإثنية على التركة التي خلفتها دكتاتورية البعث ثم رعاها الإحتلال بعدئذ . إلا ان خططها هذه لم يُكتب لها النجاح دوماً ، إذ أن ممارساتها الفعلية في سياسة الدولة  والتي إرتبطت بالفساد الإداري والإثراء اللاشرعي الفاحش والمحاصصات الطائفية والعرقية وانتشار المحسوبية والتخلي عن مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب والتعثر الدائم في تحقيق الخدمات التي ظل الشعب ينتظر تحقيقها طويلاً وحتى يومنا هذا ، كل ذلك فضح شعارات هذه القوى التي أخذ الناس يبتعدون عنها شيئاً فشيئاً ، وسيظل هذا التباعد يزداد فسحة مع الأيام شريطة ان تواضب القوى العاملة على ترسيخ الديمقراطية فعلاً وعن قناعة وليس شعاراً فقط ، على كشف هذه الممارسات دوماً دون أي تردد ودون أي إعتبار لهذا أو ذاك  إذ ان مصلحة الوطن والشعب فوق كل شيئ .
ومن المهم أيضاً ان لا نتجاهل ما جاء به التاسع من نيسان من فتح الآفاق لوضع أُولى لبنات التطور نحو مجتمع عراقي جديد يختلف عن المجتمعات المحيطة به عربياً وإسلامياً ، بالرغم مما جرى وبشكل مواز لذلك من توفير الإمكانيات لنشاط بعض القوى المناوءة لبناء هذا المجتمع الجديد ولجوءها إلى كل وسائل الإرهاب والجريمة ضد المجتمع العراقي وضد تطلعاته نحو الغد الديمقراطي المشرق . فدول الجوار الإسلامي والعربي التي لم يرق لها هذا التوجه الذي بدأ الشعب العراقي بممارسته فعلاً في ألإنتخابات الأولى التي جرت عام 2005 ، رغم نواقصها الكثيرة ، والذي إقترن بحرية الصحافة وانطلاق حرية التعبير  وكل الإجراءات الأخرى التي بدأت تتفاعل مع التفاؤل الشعبي بالتغيير نحو أجواء سياسية تختلف تماماً عن تلك الأجواء القمعية السائدة في دول الجوار هذه . فجمهورية ولاية الفقيه الدكتاتورية التي  تعمل على قمع الحركات المناوئة لها بكل أنواع البطش والملاحقات ، شأنها في ذلك شان أية دكتاتورية أخرى ، لم تألُ جهداً في العمل مع كل أعداء التطور الديمقراطي في العراق وخارجه بغية قتل هذا الوليد الجديد. فجعلت من حدودها مع العراق معابر لعصابات القاعدة  ومساعداً على تنفيذ جرائمها ضد الشعب العراقي . كما قامت أجهزتها الإستخباراتية والقمعية بممارسة أقذر الأساليب للنيل من النسيج الإجتماعي العراقي حيث عملت على نشر مراكز التجارة بالمخدرات التي يعاني منها الشعب الإيراني تحت ظل ولاية الفقيه هذه . كما ونشرت الإنحطاط الإجتماعي والخلقي عبر مراكز ما سموه بزواج المتعة الذي ألبسوه لباساً شرعياً نشروا من خلاله ما يفهمه فقهاء ولاية الفقيه من هذه العلاقات الجنسية المشوهة ( من يرغب بالمزيد من المعلومات عن مؤسسة الزواج المؤقت في إيران فليطلع بإمعان على البحث العلمي القيم في هذا الموضوع  والذي قامت به الباحثة ألإجتماعية الإيرانية الدكتورة شهلا حائري والمعنون : المتعة ، من منشورات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، بيروت ، السنة غير مذكورة .) ليطلع على مدى التفسخ الخلقي الذي ينشره النظام الإيراني تحت هذه اليافطة التي ألبسوها لباساً دينياً يسعون إلى أن يلبسه العراق أيضاً .
أما الجارة " المسلمة " ألأخرى تركيا المعروفة بتوجهها الشوفيني العنصري ضد القوميات والشعوب الأخرى غير التركية منذ تأسيس جمهورية أتاتورك وحتى الوقت الحاضر فإنها عملت على إستمرارها بتنفيذ ما تعاقدت عليه مع البعثفاشية التي سمحت لها بانتهاك حدود العراق لملاحقة الثوار الكورد مستغلة الضعف السياسي والعسكري الذي حل بالعراق بعد إنهيار كافة مؤسسات النظام السابق ، لتمارس سياستها الشوفينية هذه ضد الثورة الكوردية في كوردستان الشمالية وضد التوجه العام في سياسة الدولة العراقية الجديدة المفضي إلى التأكيد على ممارسة الحقوق القومية للشعب الكوردي  في العراق والذي سيؤدي بالتأكيد إلى إنتشاره في بقية مناطق كوردستان الأخرى في كل من تركيا وإيران وسوريا . ولقد وجدت السياسة التركية الحمقاء تجاوباً لها ، مع الأسف الشديد ، في منطقة الحكم الذاتي لدى قيادات الأحزاب السياسية الكوردية الحاكمة في إقليم كوردستان العراق . وهذا ما جعل السياسة الشوفينية التركية تتمادى اكثر وأكثر ، وباعتبارها أحد اقطاب حلف الناتو ، ان تتدخل بشكل ابعد بالتأثير على مجمل التطور السياسي في منطقة الشرق الأوسط، كما في مصر وليبيا وتونس وسوريا الآن ، ولتبرهن للإتحاد الأوربي الذي تسعى للإنضمام إليه وللسياسة الأمريكية  بأنها مفتاح دخول هذا الإتحاد إلى منطقة الشرق الأوسط الغنية بمواردها الأولية الهامة للصناعة الرأسمالية .
أما ما جاد به "  ألأشقاء  " العرب من الجيران وغير الجيران على وطننا بعد سقوط الدكتاتورية ، فلا يمكن لأي عراقي الحديث عنه دون أن تعتريه موجة من الغضب الحاد على تلك التصرفات التي واجهها العراقيون من أشقاء البلاء هؤلاء أثناء التسلط الدكتاتوري على وطنهم وبعد سقوط الصنم رمز هذه الدكتاتورية السوداء . لقد عامل هؤلاء العرب  العراقيين وكأنهم مصابون بأمراض مميتة لهم ولكل مَن يقتربون منه . لذلك فإن طلب لجوء العراقي لدى أشقاء البلاء للخلاص من التسلط البعثفاشي المقيت كان مقترناً بصعوبات جمة ، حيث لا يمكن الحصول على سمة الدخول إلى بلدان هؤلاء الأشقاء . وحتى لو سنحت الفرصة لأحد العراقيين باختراق كل هذه الحواجز التي وضعوها امامه لدخول بلادهم ، كحيازة هذا العراقي مثلاً على جواز سفر دولة أجنبية ، الذي يجله ويحترمه هؤلاء الأدعياء بالقومية أكثر من أي جواز سفر عربي ، حيث ان جُل تربيتهم تنطلق من مقولة :
           عبيد للأجانب هم ولكن   على أبناء جلدتهم أُسُود
أقول حتى لو تجاوز العراقي كل هذه العراقيل التي يضعونها أمامه والدخول إلى بلدانهم فأنه لا يلقى من السلطات الرسمية وحتى من بعض أبناء الشعب في هذا البلد العربي او ذاك إلا التمجيد بالجرذ المقبور قاتل الشعب العراقي وبنظامه الإجرامي . ولم يتوقف هذا ألإطراء على قَتلة الشعب العراقي حتى بعد ان سقطوا إلى الحضيض غير مأسوف عليهم من قبل كل أهل العراق الذين أكتووا بنار حقدهم الأسود ، وهم الكثرة الكاثرة من بنات وأبناء الشعب العراقي . لقد أراد هؤلاء ألأشقاء البلاء أن يثأروا لضياع ما دأبوا على  سرقته  من خيرات الشعب العراقي على شكل كوبونات نفطية او حسابات مصرفية او تعويضات مالية كبيرة أغدقها عليهم ولي نعمتهم المقبور ، فبادروا إلى إملاء الفراغ الذي تركته عصابات البعثفاشية من أجهزة المخابرات والأمن والإستخبارات العسكرية وأصدقاء الجلاد وفدائييه ولجان التعذيب والقتل والإختطاف التي نشطت جميعاً في قتل وتشريد وإرهاب الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية . لقد رأينا وسمعنا وقرأنا النواح على الجلادين والتشفي بما حققته مفخخات الجيران من الأشقاء البلاء وكيف عبثت في وطننا عصابات ألإرهاب القادمة من هؤلاء الجيران وجيران الجيران وكيف سخَّرت الأنظمة العربية المختلفة وسائل إعلامها ودعاياتها للنهش من العراق وإطلاق العويل والصراخ لإسترجاع عروبته وإسلامه ، وكأن دكتاتورية البعث البغيضة قد حققت كل ذلك خلال تسلطها الأسود على العراق لأربعة عقود من تاريخه . لقد إتخذوا من إحتلال العراق ذريعة يحاربون بها أهل العراق وليس قوات الإحتلال كما كانوا يدَّعون . ولقد توضحت أهداف إدعاءاتهم الكاذبة هذه حينما لجأوا هم أنفسهم إلى إستدعاء الأجنبي للتدخل في بلدانهم بعد ان بدأ الحراك الجماهيري للتخلص من الدكتاتوريات الجاثمة على صدورهم .
لقد قدم لنا التاسع من نيسان خدمة لا تقدر بثمن حينما كشف لنا ، وبصورة أكثر وضوحاً مما كنا نتصوره ونتوقعه من جيران كهؤلاء ، وما يخبئه أعداء الديمقراطية والتحرر لوطننا الذي بدأ يخطو الخطوات ألأولى على هذا الطريق .
والآن وبعد ان مرت السنين العشر المريرة على الشعب العراقي ، هذه السنين التي طغت فيها سياسة شراكة أحزاب الإسلام السياسي والقوى القومية المتطرفة وتيارت وتجمعات الإنتهازية التي تسلقت على السلطة السياسية من بعثيي النظام المقبور والوصوليين من سياسيي الصدفة والتي تسببت في نهب ثروات الوطن والإستهانة بحاجة الشعب العراقي إلى كل الخدمات التي تحقق الحياة الإنسانية في مجتمع القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية ، يطمح المواطن العراقي إلى إصلاح العملية السياسية هذه والتخلص من جميع ما رافقها من مفاسد وسرقات وانتهاكات وأستهانة بحياة المواطنين . إن اي إصلاح سوف لن يتم ما لم يجر التخلي الفعلي عن هذه السياسة التي اثبتت السنين العشر فشلها . فمتى سيتعض الشعب العراقي بعد كل هذه الإخفاقات التي سببها سياسيو اليوم ويتخلى عنهم والمجيئ عبر صناديق الإنتخابات  ،التي يجب ان تكون نزيهة فعلاً ، بالقوى السياسية ، التي اثبتت التجربة العملية حتى في هذه السنين العشر العجاف ، نزاهتها وقدرتها على تحقيق طموحات الشعب والإرتقاء بالوطن نحو ما يستحقه من سؤدد . فلنجعل إذن من الفرصة القادمة التي تتيحها إنتخابات مجالس المحافظات في العشرين من هذا الشهر الخطوة الجدية الأولى نحو التغيير المنشود وأن نعمل على هذا التغيير بايدينا من خلال رفض جميع الأحزاب التي تسببت في تكاثر الأزمات واشتداد الصراعات الطائفية والقومية والعرقية والمناطقية في وطننا وتردي وانعدام الخدمات .  وأن نسعى إلى هذا التغيير بجد وعزم لا ان نظل نندب حظنا العاثر فقط وننأى بانفسنا عن الإنتخابات وبالتالي ننأى بانفسنا عن المساهمة في عملية التغيير وعندها سوف لا نلوم إلا أنفسنا حينما يستمر نهب خيراتنا ولإثراء الفاحش على حسابنا وتفتيت شملنا بين المذاهب والقوميات المختلفة التي تجمعها ارض العراق . إلا ان هذا اللوم سيكون متأخراً جداً وقد تزداد صعوبة التغيير اكثر وأكثر مستقبلاً إذا لم نعجل بها الآن . فليكن شعارنا بعد هذه السنين العشر :
                  المشاركة في الإنتخابات من اجل التغيير ، وذلك ليس علينا بعسير .
الدكتور صادق إطيمش

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة